الوابل الصيب

وأدّى لسيِّده ما استعمله فيه١، والمشركُ كمن استعمله سيده في داره، فكان يعمل ويؤدي خراجه وعمله إلى غير سيِّده، فهكذا المشرك يعمل لغير الله تعالى في دار الله تعالى، ويتقرب إلى عدو الله تعالى بنعم الله تعالى عليه.

ومعلوم أن العبد من بني آدم لو كان له مملوك٢ كذلك لكان أمقت المماليك عنده، وكان أشد شيء غضبًا عليه، وطردًا له وإبعادًا، وهو مخلوق مثله، كلاهما في نعمة غيرهما، فكيف برب العالمين الذي ما بالعبد من نعمةٍ فمنه وحده لا شريك له، ولا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يصرف السيئات إلا هو، وهو وحده المنفرد بخلق عبده، ورحمته، وتدبيره، ورزقه، ومعافاته وقضاء حوائجه؟!

فكيف يليق به مع هذا أن يَعْدِلَ به غيرَه في الحب، والخوف، والرجاء، والحلف، والنذر، والمعاملة، فيحب غيره كما يحبه أو أكثر، ويخاف غيره ويرجوه كما يخافه أو أكثر؟!.

وشواهدُ أحوالهم -بل وأقوالهم وأعمالهم٣ - ناطقةٌ بأنهم يحبون أندادهم٤ من الأحياء والأموات، ويخافونهم، ويرجونهم، ويعاملونهم، ويطلبون رضاهم، ويهربون من سخطهم = أعظمَ مما يحبون الله تعالى، ويخافونه، ويرجونه، ويهربون من سخطه.

  1. (١) من قوله: "في داره" إلى هنا، ساقط من (ت).
  2. (٢) (ح): "مملوكه".
  3. (٣) (ح) و(م): "وأفعالهم".
  4. (٤) (ح): "أنداده".
39

وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله ﷿، قال الله ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦].

والظلم عند الله ﷿ يوم القيامة له دواوين ثلاثة: ديوانٌ لا يغفر الله منه شيئًا، وهو الشِّرك به؛ فإن الله لا يغفر أن يُشْرَك به.

وديوان لا يترك الله تعالى منه شيئًا، وهو ظلم العباد١ بعضهم بعضًا؛ فإن الله تعالى يستوفيه كله.

وديوانٌ لا يعبأ الله به شيئًا، وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه ﷿٢؛ فإن هذا الديوان أخف الدواوين وأسرعها محوًا، فإنه يُمْحى بالتوبة والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، ونحو ذلك. بخلاف ديوان الشرك، فإنه لا يُمْحى إلا بالتوحيد. وديوانُ المظالم لا يُمْحى إلا بالخروج منها إلى أربابها، واستحلالهم منها.

  1. (١) "العباد" من (م) و(ق).
  2. (٢) ورد هذا المعنى في حديث "الدّواوين عند الله ثلاثة. . .".
    أخرجه أحمد (٨/ ٤٧٠)، والحاكم (٤/ ٥٧٥ - ٥٧٦) وغيرهما عن عائشة ﵂ مرفوعًا بإسناد ضعيف، وصحّحه الحاكم فتعقّبه الذهبي، وصححه السّرخسي في "شرح كتاب الكسب لمحمد بن الحسن" (٢٢٤)!.
    وله شواهد من حديث سلمان وأنس وأبي هريرة ﵃ يُحسَّن الحديث بها.
    انظر: "مجمع الزوائد" (١٠/ ٣٤٨)، و"السلسلة الصحيحة" (١٩٢٧)، و"مختصر استدراك الذهبي على مستدرك الحاكم" لابن الملقّن (٧/ ٣٥١٩ - ٣٥٢٢).
40

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي