الوابل الصيب

ولما كان الشرك أعظم الدواوين الثلاثة عند الله ﷿، حرَّم الجنة على أهله؛ فلا يدخل الجنة نفسٌ مشركة، وإنما يدخلها أهل التوحيد، فإن التوحيد هو مفتاح بابها، فمن لم يكن معه مفتاح لم يُفْتَحْ له بابها١، وكذلك إن أتى بمفتاح لا أسنان له لم يُمْكِن الفَتْحُ به.

وأسنان هذا المفتاح هي: الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وبر الوالدين، فأيُّ عبد اتخذ في هذه الدار مفتاحًا صالحًا من التوحيد، وركَّب فيه أسنانًا من الأوامر جاء يوم القيامة إلى باب الجنة ومعه مفتاحها الذي لا تُفْتَحُ إلا به، فلم يُعِقْهُ عن الفتح عائق، اللهم إلا أن تكون له ذنوب وخطايا وأوزار لم يذهب عنه أثرها في هذه الدار بالتوبة والاستغفار؛ فإنه يحبس عن الجنة حتى يتطهر منها، وإن لم يطهره الموقف وأهواله وشدائده، فلابد من دخول النار ليخرج خبثه فيها، ويتطهر من ذنوبه٢ ووسخه، ثم يخرج منها فيدخل الجنة، فإنها دار الطيبين لا يدخلها إلا طَيِّب.

قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [النحل: ٣٢].

وقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا

  1. (١) من قوله: "فمن لم يكن. . ." إلى هنا، ساقط من (ت).
  2. (٢) (ح) و(ق): "درنه".
41

خَلِدِينَ (٧٣)﴾ [الزمر: ٧٣].

فعَقَّب دخولها١ على الطّيب بحرف الفاء الذي يُؤْذِن بأنه سبب للدخول، أي: بسبب طيبكم قيل لكم: ادخلوها.

وأما النار، فإنها دار الخبث في الأقوال والأعمال، والمآكل والمشارب، ودار الخبيثين، قال الله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ٣٧﴾ [الأنفال: ٣٧]٢؛ فالله تعالى يجمع الخبيث بعضه إلى بعض، فيَرْكُمَه كما يُرْكَمُ الشيءُ المتراكب بعضه على٣ بعض، ثم يَجْعَلُه في جهنم مع أهله، فليس فيها إلا خبيث.

ولما كان الناس على ثلاث طبقات: طَيِّبٌ لا يشوبه٤ خبث، وخبيثٌ لا طِيْبَ فيه، وآخرون فيهم خُبث وطِيبْ، كانت دُورهم ثلاثة: دار الطيب المحض، ودار الخبيث٥ المحض، وهاتان الداران لا تفنيان٦، ودار لمن معه خبث٧ وطيب، وهي الدار التي تفنى، وهي دار العصاة، فإنه لا يبقى في جهنم من عصاة الموحدين أحد، فإنهم إذا

  1. (١) (ت): "دخلوها"، والعبارةُ قلقة، وإن كان المعنى ظاهرًا.
  2. (٢) الآية من (م).
  3. (٣) (ح) و(م): (إلى).
  4. (٤) (ح): "يشينه".
  5. (٥) (ح) و(ق): "الخُبث".
  6. (٦) انظر: "ابن القيّم حياته وآثاره" للعلامة بكر أبو زيد (١٠٩، ٢٣٩).
  7. (٧) (ت): "خبيث".
42

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي