فإن الصلاة إنما تُكَفِّرُ سيئات من أدّى حقها، وأكمل خشوعها، ووقف بين يدي الله تعالى بقلبه وقالبه؛ فهذا إذا انصرف منها وجد خِفَّةً من نفسه، وأحس بأثقالٍ قد وُضِعَتْ عنه، فوجد نشاطًا وراحةً وروحًا، حتى يتمنى أنه لم يكن خرج منها؛ لأنها قرةُ عينه، ونعيمُ روحه، وجنة قلبه، ومُسْتَراحُه في الدنيا، فلا يزال كأنه في سجن وضيق حتى يدخل فيها، فيستريح بها، لا منها، فالمُحِبُّون يقولون: نصلي فنستريح بصلاتنا، كما قال إمامهم وقدوتهم ونبيهم ﷺ: "يا بلالُ أرِحنا بالصَّلاة"١، ولم يقل: أرحنا منها.
وقال ﷺ: "جُعِلت قُرَّة عيني في الصّلاةِ"٢. فمن جُعِلَتْ قرة عينه
(١) أخرجه أبو داود (٤٩٤٦)، وأحمد (٧/ ٦٥٣) من حديث رجلٍ من الصحابة لم يُسَمَّ بإسناد صحيح كما قال العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (١/ ١١٨). ووقعت تسميته عند الطبراني في "الكبير" (٦/ ٢٧٦ - ٢٧٧): "سلمان بن خالد، من خزاعة" وإسناده صحيح. وللحديث طرق أخرى معلولة. انظر: "علل الدارقطني" (٤/ ١٢٠ - ١٢٢).
(٢) أخرجه النسائي (٣٩٤٩)، وأحمد (٤/ ٣٣٠) وغيرهما من حديث أنس ﵁. وصحّحه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ١٦٠) على شرط مسلم، ولم يتعقبه الذهبي، وصحّحه المصنّف في "زاد المعاد" (١/ ١٥٠)، و(٤/ ٣٣٦)، وقال الذهبي في "الميزان" (٢/ ١٧٧): "وإسناده قويّ"، وحسّنه ابن حجر في "التلخيص" (٣/ ١٣٣ - ١٣٤). وأعلّه العقيليُّ في "الضعفاء" (٢/ ١٦٠)، و(٤/ ٤٢٠). وجاء من حديث المغيرة وعائشة ﵄.
في الصلاة، فكيف تقر عينه بدونها، وكيف يطيق الصبر عنها؟! فصلاة هذا الحاضر بقلبه الذي قرة عينه في الصلاة، هي التي تصعد ولها نور وبرهان، حتى يُسْتَقْبَلَ بها الرحمن ﷿ فتقول: "حَفِظَكَ اللهُ تعالى كمَا حَفِظْتَني"، وأما صلاة المفرّط المضيّع لحقوقها وحدودها وخشوعها؛ فإنها تُلَفُّ كما يُلَفُّ الثوب الخَلِق، ويُضْرَب بها وجه صاحبها وتقول: "ضَيَّعَكَ اللهُ كما ضَيَّعْتَنِي".
وقد رُوِي في حديث مرفوعٍ رواه بكر بن بشر، عن سعيد بن سنان، عن أبي الزاهرية، عن أبي شجرة، عن عبد الله بن عمرو ﵄ يرفعه أنه قال: "مَا مِنْ مؤمنٍ يُتِمُّ الوضوء إلى أماكنه، ثمَّ يَقومُ إلى الصَّلاةِ في وقتها، فيُؤدِّيها لله ﷿ لم ينقص من وقتها، وركوعها وسجودها، ومعالمها شيئًا، إلَّا رُفِعَتْ له إلى الله ﷿ بيضاءَ مُسْفِرة يَسْتَضِئُ بنورها ما بين الخافِقَيْن، حتى يُنْتَهى بها إلى الرّحمن ﷿.
ومَنْ قام إلى الصلاة فلم يُكمل وضوءها، وأخَّرها عن وقتها، واسْتَرَقَ ركوعها وسجودها ومعالمها، رُفِعَتْ عنه سوداء مظلمة، ثم لا تُجاوز شعر رأسه، تقولُ: ضَيَّعك اللهُ كما ضَيَّعْتَني، ضَيَّعَك الله كما ضيَّعْتَني"١.
(١) أخرجه الطيالسي (٥٨٦)، والبزّار (٧/ ١٤٠، ١٥١)، والشاشي في "مسنده" (١٢٩٠، ١٢٩١) وغيرهم عن عبادة بن الصامت ﵁ مرفوعًا. قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ١٢٢): ". . . وفيه الأحوص بن حكيم، وثّقه ابن المديني والعجلي، وضعفه جماعة، وبقية رجاله موثوقون". وأعلّه العقيليُّ في "الضعفاء" (١/ ١٢٠). =