الوابل الصيب

فهذا قبولُه لهذا العمل إثابتُه عليه بمخلوق من مخلوقاته، من القصور، والأكل والشرب، والحور العين، وإثابة الأول رِضاهُ العمل لنفسه١، ورضاه على٢ عامله، وتقريبه منه، وإعلاء درجته ومنزلته، فهذا يعطيه بغير حساب، فهذا لونٌ، والأول لونٌ٣.

والناس في الصلاة على مراتب خمسة:

أحدها: مرتبة الظالم لنفسه، المُفَرِّط، وهو الذي انتقص من وضوئها ومواقيتها وحدودها وأركانها.

الثاني: من يحافظ على مواقيتها وحدودها وأركانها٤ الظاهرة ووضوئها، لكنه قد ضيع مجاهدة نفسه في الوسوسة، فذهب مع الوساوس٥ والأفكار.

الثالث: من حافظ على حدودها وأركانها، وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار، فهو مشغول بمجاهدة عدوه؛ لئلا يسرق منه صلاته٦، فهو في صلاةٍ وجهاد.

الرابع: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها وأركانها وحدودها،

  1. (١) (ت): "رضاه لنفسه"، وفي (ح) و(ق): "رضي العمل لنفسه".
  2. (٢) (ح): "عن معاملة" وفي (ق): "عن عامله".
  3. (٣) انظر: "المنار المنيف" للمصنِّف (٢٢ - ٢٤).
  4. (٤) "وأركانها" من (ح) و(م) و(ق)،
  5. (٥) "فذهب مع الوساوس" ساقط من (ت).
  6. (٦) (ت) و(ح) و(ق): "يسرق صلاته".
49

واستغرق قلبه مراعاة حدودها وحقوقها؛ لئلا يُضَيِّع منها شيئًا، بل همُّه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي، وإكمالها وإتمامها، قد استغرق قلبَه شأنُ الصلاة وعبودية ربه ﵎ فيها.

الخامس: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك، ولكنْ مع هذا قد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه ﷿، ناظرًا بقلبه إليه، مراقبًا له، ممتلئًا من محبته وعظمته، كأنه يراه ويشاهده، وقد اضمحلَّتْ تلك الوساوس والخطرات، وارتفعت حُجُبُها بينه وبين ربه، فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أعظم١ مما بين السماء والأرض، وهذا في صلاته مشغول بربه ﷿، قرير العين به٢.

فالقسم الأول معاقَبٌ، والثاني محاسَبٌ، والثالث مكَفَّرٌ عنه، والرابع مثابٌ والخامس مُقَرَّبٌ؛ لأن له نصيبًا ممن جُعِلَتْ قرة عينه في الصلاة، فمن قَرَّتْ عينه بصلاته في الدنيا قَرَّتْ عينه بقربه من ربه ﷿ في الآخرة، وقَرَّتْ عينه -أيضًا- به٣ في الدنيا، ومن قَرَّتْ عينه بالله قَرَّتْ به كلُّ عين، ومن لم تَقَرَّ عينه بالله تعالى تقطَّعَتْ نفسه على الدنيا حسرات.

وقد روي أن العبد إذا قام يصلي قال الله ﷿: "ارفعوا الحُجُبَ بيني وبين عبدي٤، فإذا التفت قال: أرخوها"٥.

  1. (١) (ح) "أفضل وأعظم".
  2. (٢) (ت): "قرير العين به، مشغول بربه".
  3. (٣) "به" من (ح) و(ق).
  4. (٤) "بيني وبين عبدي" من (م).
  5. (٥) لم أقف عليه. وذكر الغزاليُّ في "الإحياء" (١/ ١٧٠) بعضه، فقال العراقي =
50

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي