بدائع الفوائد

الخامس: الأدلة الدَّالَّة على سلب النسبة عن زيد. فـ "زيدٌ" دخل في القوم على تقدير عدم الإسناد، وخرج منهم على تقدير الإسناد، ثم أُسْندَ بعد إخراجِه، فدخولُه وخروجُه باعتبارين غير متنافيين، فإنه دخلَ باعتبار الإفراد وخرج باعتبار النسبة، فهو من القوم غيرِ المحكوم عليهم، وليس من القوم المقيَّدين بالحُكم عليهم، هذا إيضاحُ هذا الإشكال وحَلُّه، واللهُ الموفِّقُ.

فصل

المستثنى إذا جُعِل تابعًا لما قبلَه، فمذهب البصريين أنه بَدَلٌ، وقد نصَّ عليه سيبويه١، ومذهب الكوفيين أنه عطفٌ، فأما القول بالبَدَلِ فعليه إشكالان٢:

أحدهما: أنه لو كان بَدَلًا لكان بَدَلَ بعضٍ، إذ يمتنع أن يكون بَدَلَ كُلٍّ من كُل، وبدل البعض لابُدَّ فيه من ضمير يعود على المبدَل منه، نحو: "قَبَضتُ المَالَ نصفهُ".

الثاني: أن حكمَ البَدَل حكمُ المبدَل منه؛ لأنه تابع يشارك متبوعَه في حكمه، وحكم المستثنى هاهنا مخالفٌ لحكم المستثنى منه، فكيف يكون بَدَلًا.

وأجيب عن الأوَّل بأن "إلَاّ" وما بعدَها من تمام الكلام: الأوَّل، و"إلَاّ" قرينةٌ مُفْهمة أن الثاني قد كان تناولَهُ٣ الأوَّلُ، فمعلوم أنه بعضُ الأول، فلا يحتاجُ فيه إلى رابط بخلاف: "قَبَضْتُ المَالَ نِصْفَهُ".

  1. (١) في "الكتاب": (٢/ ٣١١).
  2. (٢) (ع): "إشكالات".
  3. (٣) (ع): "يتناوله "، و(ق): "تداوله".
928

وأُجيب عنه أيضًا: بأن البَدَل في الاستثناء قسم على حِدَتِهِ، ليس من تلك الأبدال التي تثبت١ في غير الاستثناء.

وأُجيبَ عنه أيضًا: بأن البَدَل في الاستثناء إنما المُراعَى فيه وقوعُه مكان المبدَل منه، فإذا قلت: "ما قَامَ أَحَدٌ إِلَاّ زَيْدٌ" فـ "إِلَاّ زَيْدٌ" هو البَدَل، وهو الذي يقعُ موقعَ "أحدٍ"، فليس "زيدٌ" وحدَه بَدَلًا من "أحد"، فـ"إلا زيْد" هو الأحد الذي نَفَيْت عنه القيامَ، فقولُك: "إِلَاّ زَيْدٌ" هو بيان الأحد٢ الذي عَنَيْتَ، وعلى هذا فالبَدَلُ في الاستثناء أشبهُ ببَدَل الشيء من الشيء، من بَدَلِ البعضِ من الكلِّ.

وأما الإشكالُ الثاني فقال السِّيرافيُّ مجيبًا عنه: هو بَدَلٌ منه في عمل العامل فيه، وتخالفهما بالنفي والإيجاب لا يمنع البَدَلِيَّة؛ لأن مذهب البَدَل فيه أن يجعل الأوَّل كأنه لم يُذْكَر، والثاني في موضعه.

وقد تتخالفُ الصِّفةُ والموصوفُ نفيًا وإثباتًا، نحو: "مررتُ بِرَجُلٍ لا كَرِيمٍ ولا لَبيبِ ".

ومعنى هذا الجواب: أنه إنما يشترطُ في البَدَل أن يحلَّ محل الأوَّلِ في العامل خاصَّة، وأما أن يكون حكمُهما واحدًا فلا.

وأما القولُ الكوفيُّ: إنه عطف، فإنهم جعلوا "إلَاّ" من حروف العطف في هذا الباب خاصَّة، والحاملُ لهم على ذلك وجود المخالفة المذكورة.

قال ثعلب: كيف يكون بَدَلًا وهو موجبٌ ومتبوعه منفىٌّ، والعطفُ

  1. (١) غير بيّنة في (ظ)، وفي (ع): "تبينت" والمثبت من (ق).
  2. (٢) كذا في (ق وظ)، وفي (ع): "مقويتان للأخذ ... "!.
929

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي