بدائع الفوائد

وأُجيب عنه أيضًا: بأن البَدَل في الاستثناء قسم على حِدَتِهِ، ليس من تلك الأبدال التي تثبت١ في غير الاستثناء.

وأُجيبَ عنه أيضًا: بأن البَدَل في الاستثناء إنما المُراعَى فيه وقوعُه مكان المبدَل منه، فإذا قلت: "ما قَامَ أَحَدٌ إِلَاّ زَيْدٌ" فـ "إِلَاّ زَيْدٌ" هو البَدَل، وهو الذي يقعُ موقعَ "أحدٍ"، فليس "زيدٌ" وحدَه بَدَلًا من "أحد"، فـ"إلا زيْد" هو الأحد الذي نَفَيْت عنه القيامَ، فقولُك: "إِلَاّ زَيْدٌ" هو بيان الأحد٢ الذي عَنَيْتَ، وعلى هذا فالبَدَلُ في الاستثناء أشبهُ ببَدَل الشيء من الشيء، من بَدَلِ البعضِ من الكلِّ.

وأما الإشكالُ الثاني فقال السِّيرافيُّ مجيبًا عنه: هو بَدَلٌ منه في عمل العامل فيه، وتخالفهما بالنفي والإيجاب لا يمنع البَدَلِيَّة؛ لأن مذهب البَدَل فيه أن يجعل الأوَّل كأنه لم يُذْكَر، والثاني في موضعه.

وقد تتخالفُ الصِّفةُ والموصوفُ نفيًا وإثباتًا، نحو: "مررتُ بِرَجُلٍ لا كَرِيمٍ ولا لَبيبِ ".

ومعنى هذا الجواب: أنه إنما يشترطُ في البَدَل أن يحلَّ محل الأوَّلِ في العامل خاصَّة، وأما أن يكون حكمُهما واحدًا فلا.

وأما القولُ الكوفيُّ: إنه عطف، فإنهم جعلوا "إلَاّ" من حروف العطف في هذا الباب خاصَّة، والحاملُ لهم على ذلك وجود المخالفة المذكورة.

قال ثعلب: كيف يكون بَدَلًا وهو موجبٌ ومتبوعه منفىٌّ، والعطفُ

  1. (١) غير بيّنة في (ظ)، وفي (ع): "تبينت" والمثبت من (ق).
  2. (٢) كذا في (ق وظ)، وفي (ع): "مقويتان للأخذ ... "!.
929

توجدُ فيه المخالفةُ فى المعنى كالمعطوف بـ "بَلْ" و"لكِنْ "، وهذا ممكنٌ خالٍ من التكَلُّف، ولا يقال: إنه يستلزم الاشتراك في الحروف، وهو مذهب ضعيفٌ؛ لأنا نقول: ليس هذا من الاشتراك في الحروف، فإن "إلَاّ" للإخراج على بابها، وإنما سمّوا هذا النوعَ من الإخراج عطفًا على نحو تسميتهم الإخراجَ بـ"بَلْ " و"لكن" عطفًا، والاشتراك المردود قول من يقول: إن "إلَاّ" تكون بمعنى الواو، لكن قد رُدَّ قولُهم بالعطف بأن "إلَاّ" لو كانت عاطفةً لم تباشر العاملَ في نحو: "مَا قَامَ إلَاّ زيْدٌ"؛ لأن حروف العطف لا تلي العواملَ، ويجابُ عن هذا بأن "إلا" التي باشرتِ العاملَ ليست هي العاطفة، فليس هاهنا عطفٌ ولا بدلٌ ألبَتَّةَ، وإنما الكلامُ فيما إذا كان ما بعد "إلَاّ" تابعًا لما قبلها.

قال ابن مالك١: ولمقوِّى العطف أن يقول: تخالفُ الصِّفة والموصوف كَلا تَخَالُف، لأنَّ نفي الصِّفتين إثباتٌ لضِدَّيهما، فإذا قلت: "مرَرْتُ بِرَجُلٍ لا كرِيم ولا شجاع" فكأنك قلت: "بَخيل جَبَان" وليس كذلك تخالف المستثنى والمستثنى منه، فإنَّ جَعْلَ "زيْدٍ" بدلًا من "أحد" إذا قيل: "ما فيها أحدٌ إلا زيدٌ" يلزمُ منه عدم النَّظير، إذ لا بَدَلَ في غير محل النّزاع إلا وتَعَلُّقُ العاملِ به مُسَاوٍ لتَعَلُّقِهِ بالمبْدَل منه، والأمرُ في "ما قَامَ أَحَدٌ إلاّ زَيْدٌ" بخلاف ذلك، فيضعفُ كونه بَدَلًا، إذ ليس في الأبدال ما يشبهه، وإن جُعِل معطوفًا لم يلزمْ من ذلك مخالفة المعطوفات، بل يكون نظيرَ المعطوف بـ"لا" و"بَلْ " و"لكِنْ " فكان جعلُه معطوفًا أولى من جعله بَدَلًا.

قلت: ويقوِّي العطفَ أيضًا أنك تقول: "لا أحَدَ في الدَّارِ إلاّ

  1. (١) لم أعثر على كلامه.
930

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي