الطريق المشترك عند المزاحمة فقال: "إذَا لَقِيتُمُوهُمْ في طَرِيقٍ فَاضْطَرَّوهُمْ إِلى أَضْيَقِهِ"١ فكيف يجعل له حقًّا في انتزاع الملك المختصِّ به٢ عند التزاحم؟! وهذه حجة الإمام أحمد نفسه.
وأما حديث "لَا شُفْعَةَ لِنَصْرَانيٍّ"٣ فاحتجَّ به بعض أصحابه، وهو أعلم من أَنْ يحتج به، فإنه من كلام بعض التابعين.
فائدة٤
تمليك المنفعة شيء، ومليك الانتفاع شيء آخر٥، فالأول
(١) أخرجه مسلم رقم (٢١٦٧) وغيره، من حديث أبي هريرة ﵁ وللحديث قصة عند أبي داود: (٥/ ٣٨٤).
(٢) "به" سقطت من (ق).
(٣) أخرجه الطبراني في "الصغير": (١/ ٢٠٦)، وابن عدي في "الكامل": (٧/ ٥٦)، والبيهقي في "الكبري": (٦/ ١٠٨) وغيرهم. من طريق نائل الحَنَفي عن الثوري عن حُميد عن أنسٍ ﵁. قال ابنُ عدي: "وأحاديثه -أي نائل- مُظلمة جدًّا، وخاصًّة إذا روى عن الثوري" اهـ.
(٤) قارن بـ "الفروق": (١/ ١٨٧) للقرافي.
(٥) في هامش (ظ) تعليق مطول نثبتُ ما اتضحَ منه: "قد يقال: إن هذا الكلام غير ظاهر، وما ذاك إلا لأنَّ الانتفاع مصدر، وهو عبارة عن ملابَسَة المتعيّن بالانتفاع بها، وإذا كان كذلك؛ فما فائدة ملكه له بعل وجوده وصدوره منه؟ لا يقال: فائدته أنَّه لا يأثم إن قلنا بملكه له وإلا أَثِم، لأنا نقول: هذا يقتضي أن القدوم على الانتفاع حرام؛ لأنَّه لم يملك إلا الانتفاع، وهو لم يوجد، فقد أدَّى تمليكه له إلى المنع من حصوله، وليس هذا في تمليك المنفعة، على أن تمليك المنفعة فيها بقي له، ثم أيضًا: فما الملجئ إلى هذا الكلام. الثاني: أن الانتفاع فعل للمنتفع، وصاحب العلم لم يملكهـ حتى يملّكهـ إيَّاه. الثالث: أن هذا لا يُنجي من القول بجواز إجارة العين المعارة، لجواز أن يملك ما ملكه من غيره لغيره. فإن قلتم: المالك لم يرض بهذا. قلنا: قولوا: =
يملك به الانتفاعَ والمعاوضةَ، والثاني يملك به الانتفاعَ دون المعاوضة، وعليها إجارة١ ما استأجره، لأنَّه ملك المنفعة بخلاف المعارضة على البُضْع، فإنه لم يَمْلِكْه، وإنما ملك أن ينتفع به.
وكذلك إجارة ما ملك أن ينتفع به من الحقوق؛ كالجلوس بالرِّحاب، وبيوت المدارس والرُّبط ونحو ذلك٢ لا يملكها؛ لأنَّه لم يملك المنفعة وإنما ملكَ الانتفاعَ، وعلى هذا الخلاف تَخَرَّج إجارة المستعار، فمن منعها كالشافعي وأحمد ومن تبعهما قال لم يملك المنفعة، وإنما ملك الانتفاع ومَن جوَّزها كمالك ومن تَبِعه قال هو قد ملك المنفعة ولهذا يلزم عنده بالتوقيت، ولو أطلقها لزمت في مدة ينتفع بمثلها عرفًا فليس له الرجوع قبلها.
فائدة
قولهم: "إذا كان للحكم سببان، جاز تقديمه على أحدهما"؛ ليس بجيد، وفي العبارة تسامح، والحكمُ لا يتقدم سببَه، بل الأَوْلَى أن يقال: إذا كان للحكم سبب وشرط، جاز تقديمه على شرطه دون سببه، وأما تقديمه عليهما أو على سببه فممتنع، ولعل النزاعَ لفظيٌّ، فإن شرط الحكم من جملة أسبابه المعتبرة في ثبوته، فلو قدمت
= المالك ملك المنفعة ولم يستحق بهذا الملك أن يعطيها لغيره، ولا بُعد في هذا، كالهبة في القبض، يملكلها الموهوب له، ولا يملك إجارتها لغيره. وكالمكيل والموزون قبل قبضه. بخلاف المؤجرة فإنه لما ملك المؤجّر العِوض كأنه أذن في [...] كالمنفعة لأي أحد كان بشرطه. الرابع أنهم قالوا: إن الموقوف عليه يملك الوقف، ولم يقولوا الانتفاع.