قال أبو حفص: وقد ذكرنا عن أحمدَ جواز جَرِّ الرَّجُل في رواية المرُّوْذي، فإن صحَّ النقلُ كان في المسألة روايتان١، روي عن أبي أيوبَ قال: تحريكُ الرَّجُلِ من الصَّفِّ ظلمٌ.
قلت: وفي "المُدَوَّنة"٢ قال مالكٌ: هو خطأٌ منهما.
وسمعتُ شيخَ الإسلام ابن تيميّة يُنْكِرُه أيضًا ويقول: يُصلِّي خلفَ الصَّفِّ فذًّا، ولا يجذبُ غيرَه، قال: وتصحّ صلاتُه في هذه الحالة فذًّا، لأن غايةَ المُصَافَّةِ أن تكونَ واجبةً فتسقط بالعُذْر٣.
فائدة
قال مهنَّاٌ: رأيتُ أحمدَ إذا قام إلى الصلاة يفرِّجُ بين قدميه، وإذا انحدرَ للسُّجود ضمَّ قَدَمَيْهِ.
قال القاضي: إنما قلنا: يُفَرِّجُ بين قدميه، لما روى حَرْب: ثنا أبو حفص، ثنا أبو٤ عاصم، عن ابن جُريْجٍ، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لا تقاربَ ولا تباعُدَ٥.
وكيع، عن عُيَيْنةَ بن عبد الرحمن بن جَوْشن٦، قال: قال: كنت
(١) انظر "الإنصاف" (٢/ ٢٨٩).
(٢) (١/ ١٠٢) بنحوه.
(٣) انظر "مجموع الفتاوى": (٢٠/ ٥٥٨ - ٥٥٩).
(٤) (ق): "روى ابن حرب ثنا أبو الأحوص، ثنا ابن عاصم"!.
(٥) لم أجده، وذكره الموفَّق بن قدامة في "المغني": (٢/ ٣٩٦) ولم يَعْزه. وانظر ما أخرجه ابن أبي شيبة: (٢/ ١١٠) في صفة وقوف ابن عمر.
(٦) وقع هذا السند محرفًا في النسخ، وصوَّبناه من المصادر.
مع أبي في المسجد -يعني مسجدَ البصرة- فنظر إلى رجلٍ قائمًا يُصَلِّي، قد صفَّ بين قدميه، وأَلْزَقَ إحداهُما بالأخرى، فقال أبي: لقد أدركتُ في المسجد ثمانيةَ عَشَرَ من أصحاب رسول الله ﷺ ما رَأَيْتُ أحدًا منهم صنَعُ هكذا١ قطُّ.
ولأنه أمكنُ للقيام في الصَّلاة، وضَمُّ القدمين عند الانحدار للسُّجود أمكنُ للانحدار.
قال في رواية (ق/ ٢٤٠ أ) حرب وقد سأله: الرجلُ يصُفَّنَّ بين قدميه أحبُّ إليك، أو يعتمدُ على هذه مَرَّةً وعلى هذه مرّةً؟.
قال: يُرَاوِحُ بين قدميه أحبُّ إليَّ، يعتمدُ على هذه مَرَّةً، وعلى هذه مَرَّةً؛ لما روى الأعمشُ، عن المِنهال، عن أبي عُبَيْدَةَ قال: رأى عبدُ الله رجلًا يُصَلي صافًّا بين قدميه، فقال: لو رَاوَحَ هذا بين قدمه كان أفضلَ٢.
ولأنه أَرْوَح للمُصَلِّي، وقد رفع النَّبِيُّ ﷺ المَشَقَّة عن المصلِّي بقوله: "أَبْرِدُوا بالصَّلاةِ٣، وكان يتوقَّى بالثَّوب في الصَّلاة حرَّ الأرض وبَرْدَها٤.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة: (٢/ ١٠٩) بالإسناد نفسه.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة: (٢/ ١٠٩) بالإسناد نفسه.
(٣) أخرجه البخاري رقم (٥٣٣)، ومسلم رقم (٦١٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) أخرج البخاري رقم (٣٨٥)، ومسلم رقم (٦٢٠) من حديث أنسٍ ﵁ قال: "كنا نصلِّي مع رسول الله ﷺ في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدُنا أن يمكَّن جبهتَه من الأرض، بسط ثوبَه، فسجدَ عليه". وأخرج الإمام أحمد: (٤/ ١٦٤ رقم ٢٣٢٠) وغيره: عن عكرمة عن ابن عباس: أن النبي ﷺ صلّى في ثوبٍ واحدٍ متوشِّحًا به، يتقّي بفضوله حرَّ الأرض وبَرْدَها. وفي سنده مقال.