من المبلِّغين قول: سمع الله لمن حمده، فهل يُقَدِّرُ ما يكون به تابعًا للإمام أو يعتبرُ بمن يليه؟
فقال: بل يقدر ما يكون به تابعًا للإمام في حال ركوعه؛ لأنه قد يكونُ ركع والإمام قد رفع، ولكن لبعد ما بين المبلِّغين وبين الإمام قد يكون الأواخر رُكَّعًا، وذلك أن الشرعَ علَّق الإدراكَ بركوع الإمام، فالوسائط لا عِبْرَةَ بهم.
حادثة
* رجل قال لامرأته: أنْتِ طالِقٌ إنْ كلَّمْتُكِ، وأعاده. فقال بعض أصحاب أحمد: إن قَصَدَ إفهامَها بالثاني لم يَقَعْ، وإن قَصَدَ الابتداءَ وقع المعلَّقُ بالثاني.
قال ابن عقيل: هذا خطأ؛ لأن الثاني هو كلامٌ لها على كلِّ حال، سواء قصد الإفهامَ أو الابتداءَ، وإنما اشتبهتْ بمسألة إذا قال: إن حلفتُ بطلاقِكِ فأنتِ طالقٌ، وأعادَه، فإن التفصيل كما ذكرت، فأما الكلامُ فهو على الإطلاق يتناولُ كلَّ كلام مخصوص بخلاف الحلف، فإنه لا يكون حَلِفًا إلا بقصد، وإذا كان قصدُه بالثاني إفهامَها لما حَلَف به أولًا لم يكن حلفًا.
قلت: والصواب القول الأول، وهذا الفرقُ خياليُّ، فإنه إذا قصد إفهامَها فلم يُرِد إلا اليمينَ الأولى ولم يُرِدْ به الكلامَ المحلوف عليه، فتحْنيثُهُ به تحنيثٌ بما لم يُرِدْه ألبتةَ، وبساط الكلام ونيته إنما يدلان على أنه أراد: لا كَلَّمْتُكِ بعد اليمين، مفردةً كانت أو مكررةً، فما كلمها الكلام الذي حلف عليه، وإنما أفهمها يمينه، فلا فرق بينها وبين مسألة الحَلِف.
وأما قوله: إن الحَلِفَ لا يكونُ حَلِفًا إلا بقَصْد، فيقال: إن كان القصدُ شرطًا في اعتبار المحلوف عليه لم يَحْنَثْ في الموضِعينِ، وإن لم يكنْ شرطًا فيه، فينبغي أن يحنَثَ في الموضعين، فأما أن يُجعلَ القصدُ شرطًا في أحدهما دونَ الآخر فلا وجهَ له، والله أعلم.
فائدة
استدل شيعيٌّ على الوصية لأهل البيت بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾[الشورى: ٢٣].
فأجيب بأن قيل: هذه وصيَّةٌ بهم لا وصيةٌ إليهم١، فهي حجَّةٌ على خلاف قول الشيعة؛ لأن الأمر لو كانَ إليهم لأوصاهم ولم يُوصِ بهم، ونظير هذا الاحتجاج على أن الأمرَ في قريشٍ لا في الأنصار بقول النبي ﷺ: "أُوصِيكُمْ بالأنصَارِ"٢ فدلَّ على أن الأمرَ في غيرهم.
قلت: وهذا كلُّه خروج عن معنى الآية وما أُريدَ بها، ولا دلالةَ فيها لواحدة من الطائفتين، فإن معنى الآية٣: لا أسألكم عليه أجرًا إلا أن تَصِلُوا ما بيني وبينَكم من القَرَابة، فإنه لم يكن بطنٌ من بطون قريش إلا وللنبي ﷺ فيهم قَرَابَةٌ، فقال: لا أسألُكم على تبليغ الرسالة أجرًا، ولكن صِلُوا ما بيني وبينَكم من القرابة، وليست هذه الصِّلَةُ أجرًا، فالاستثناء منقطع، فإن الصِّلة من موجبات الرَّحِم، فهي واجبة
(١) (ق): "لهم".
(٢) أخرجه البخاري رقم (٣٧٩٩)، ومسلم رقم (٢٥١٠) من حديث أنسٍ﵁-.
(٣) من قوله: "وما أُريد بها ... " إلى هنا ساقط من (ق).