ومن العجب: تشدُّدهم في المياه أعظمَ التَّشديد حتى يُنَجِّسوا القناطيرَ المقنطرةَ من الماء بمثل رأس الإبرة من البول، ويُجَوِّزون الصلاة في ثوب رُبُعه متضمِّخ بالنَّجاسة.
ومن العجب: منعهم إلحاق النَّسَب بالقيافة التي هي من أظهر الأَدِلَّة، وقد اعتبرها النبي ﷺ١، وعمل بها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب٢، وإلحاقهم: النَّسَبَ برجل٣ تزوَّج امرأة بأقصى المشرق وهو بأقصى المغرب، وبينهما ما لا يقطعه البَشَرُ، أو قال: تزوجت فلانة وهي طالِقٌ ثلاثًا عقِبَ القبول ثم جاءت بولدٍ فقالتْ: هو منه.
ومن العجب: إلحاقُهم الولد في هذه الصُّورة، وزعمُهم أن الرجل إذا كانت له سُرِّيَّةٌ وهو يطأُها دائمًا فأتت بولد على فراشه لم يَلْحَقْهُ إلا أن يستلحِقَهُ.
ومن العجب: أنهم يقولون٤: إذا شهد عليه أربعة بالزنا، فقال: صَدَقوا في شهادتهم وقد فعلتُ، سَقَط عنه الحدُّ، وإن اتَّهمهم وقال: كذبوا عَلّيَّ، حُدَّ.
ومن العجب قولهم: لا يصِحُّ استئجارُ دارٍ لتُجْعَلَ مسجدًا يُصَلِّي فيه المسلمونَ، ويصِحُّ استئجارها كنيسةً يُعبدُ فيها الصليبُ، وبيتًا تُعبدُ فيه النار.
(١) فيما رواه البخاري رقم (٣٧٣١)، ومسلم رقم (١٤٥٩) من حديث عائشة ﵂ في قصة مجزز المدلجي.
(٢) أخرجه مالك في "الموطأ": (٢/ ٧٤٠).
(٣) (ع): "فيما رجل".
(٤) (ع): "بقولهم".
ومن العجب قولهم: إنه إذا قهقَهُ في صلاته انتقضَ وضوؤُه، ولو غنَّى في صلاته، وَقَذَفَ المحصَنَاتِ، وأتى بأقبح السَّبِّ والفُحش؛ فوضوؤه بحاله لم يَنْتَقِضْ.
ومن العجب قولهم: إذا وقع في البئرِ نَجَاسَةٌ نُزِحَ منها أدْلَاءٌ معيَّنة، فإذا حصل الدَّلْوُ الأوَّلُ فى البئر تنجَّس وغرف الماء نجسًا، فما أصاب حيطانَ البئر منه نَجَّسَها، وكذلك ما بعدَهُ من الدِّلاء إلا الدَّلْو الأخير فإنه ينزلُ نَجِسًا ثم يصعدُ طاهرًا يقشقِشُ النَّجَاسَةَ من البئرِ!!
قال الجاحظ١: ما يكون أكرمَ أو أعقلَ من هذا الدَّلو.
[ومن العجب قولُهم: لو حَلَفَ لا يأكلُ فاكهةً حَنَثَ بأكلِ الجَوْزِ، ولو كان يابسًا منذُ سنين، ولا يحنَثُ بأكلِ الرُّطَبِ والعِنَب والرُمَّان٢.
وأعجب من ذلك: تعليلُهم بأن هذه الثلاثة خيارُ الفاكهة، فلا تدخلُ في الاسم المطلق، ذكرَ الحكمَ والدليلَ [الإسبِيْجَابي]٣ في "شرح الطَّحَاوي"٤.
(١) في (ع وظ): "الحافظ"، والمثبت من (ق)، ويؤيده ما في "إعلام الموقعين": (٣/ ٣٢٧): "قال بعض المتكلمين" والجاحظ منهم، وقد نسب هذا القول له أبو الخطاب في "الانتصار": (١/ ٢٣٤)، وابن العربي في "العارضة": (١/ ٨٦)، ولعله ذكره في كتاب "الحيوان".
(٢) انظر: "بدائع الصنائع": (٣/ ٦١).
(٣) تحرف فى المطبوعات إلى: "الأسماقي"! و(ق): "الاستجا"! وهو: أحمد بن منصور أبو نصر الإسْبِيْجابي -نسبةً إلى إسْبِيْجاب بكسر الهمزة وسكون السين المهملة وكسر الباء الفَارسية وسكون الياء المثنَّاة التحتية وفتح الجيم بعده ألف بعده باء- ت (نحو ٤٨٠) له "شرح مختصر الطحاوي". انظر "تاج التراجم": (ص/ ١٢٦)، و"الفوائد البهية": (ص/ ٤٢).
(٤) له نسخة فى الظاهرية، وعنها فلم في جامعة الملك سعود رقم ١١٢٨/ ٦ ف.