بدائع الفوائد

الناس من القيراط أنه: نصف سُدُس، فإن صلَّى عليه وتَبِعَهُ كان له قيراطانِ منه، وهُما سُدُسُه، وعلى هذا فيكون نسبةُ١ القيراطِ إلى الأجرِ الكاملِ بحَسَبِ: عِظَمِ ذلك الأجر الكامل في نفسه، فكلما كان أعظمَ كان القيراطُ منه بحسبه، فهذا بَيِّنٌ هاهنا.

وأما قوله ﷺ: "مَنِ اقْتَنى كَلْبًا إلا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أو زَرْعٍ نَقَصَ مِنْ أجْرِهِ أو من عَمَلهِ كُلَّ يومٍ قِيرَاطٌ"٢ فيحتمل أن يُراد به هذا المعنى أيضًا بعينه، وهو نصفُ سدس أجر عمله ذلك اليوم، ويكون صِغَرُ هذا القيراط وكِبَرُهُ بحسب قِلَّة عمله وكثرته، فإذا كان له أربعةٌ وعشرون ألف حسنةٍ مثلًا، نقص منها كلَّ يوم ألفا حسنة. وعلى هذا الحساب، والله أعلم بمراد رسوله، وهذا مبلغُ الجَهد في فهم هذا الحديث.

فائدة

قوله ﷺ: "مَنْ عَزَّى مُصَابًا فله مِثْلُ أَجْرِهِ"٣ استشكله بعضُهم وقال: مشقَّةُ المصيبة أعظمُ بكثير من مساواة تعزية المُعَزِّي لها مع بَرْد قلبه.

فأجاب ابنُ عقيل بجواب بديعٍ جدًّا، فقال: ليس مرادُه ﷺ قولَ

  1. (١) (ع): "صفة".
  2. (٢) أخرجه البخاري رقم (٥٤٨٠) ومسلم رقم (١٥٧٤) من حديث ابن عمر ﵄.
  3. (٣) أخرجه الترمذي رقم (١٠٧٣)، وابن ماجه رقم (١٦٠٢) من حديث ابن مسعود ﵁.
    والحديث ضعيف، قال الترمذي: "غريب" وأعلَّه بالوقف، وانظر "الإرواء" رقم (٧٦٥).
1068

بعضِهم لبعض: نَسَأَ الله في أجلِكَ، وتعيشُ أنت وتَبْقى، وأطالَ الله عُمُرَك، وما أشبَه ذلك، بل المقصودُ من عَمَد إلى قلبٍ قد أقلقه ألمُ المُصاب وأزعجه، وقد كان يساكنُ السخط، ويقول الهُجْرَ ويوقعُ الذَّنْبَ، فداوى ذلك القلبَ بآيِ الوعيد، وثوابِ الصبر، وذمِّ الجزع حتى يُزِيلَ ما به، أو يقلِّله١ فيَتَعَزَّى، فيصير ثَواب المُسَلِّي كثواب المصاب؛ لأن كلًّا منهما دفع الجزع، فالمُصاب كابَدَهُ بالاستجابة، والمُعَزِّي عمل في أسباب المداواة لألم الكآبة.

فائدة

قوله ﷺ: "أَقِيلُوا ذَوِي الهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إلَّا الحُدُودَ"٢ قال ابنُ عَقِيل: المُرادُ بهم الذين دامت طاعاتُهم وعدالتُهم، فزلَّت في بعض الأحايينِ أقدامُهم بورطة٣.

قلت: ليس ما ذكره بالبَيِّن، فإن النَّبِيَّ ﷺ لا يُعَبِّر عن أهلِ التَّقوى والطَّاعة والعبادة بأنهم ذوو٤ الهَيْئَاتِ، ولا عهد بهذه العبارة في كلام الله ورسوله للمُطيعين المتَّقين، والظاهر أنهم ذوو الأقدار بين الناس من الجاه والشَّرَف والسؤدد، فإن الله تعالى خَصَّهم بنوع

  1. (١) (ع): "يقلقه".
  2. (٢) أخرجه أحمد: (٦/ ١٨١)، وأبو داود رقم (٤٣٧٥)، والبخاري في "الأدب المفرد": (ص/ ١٤٣) وابن حبان "الإحسان": (١/ ٢٩٦)، والبيهقي: (٨/ ٣٣٤)، وغيرهم من حديث عائشة ﵂.
    والحديث صححه ابن حبان؛ وفي سنده من يُضعَّف.
  3. (٣) في هامش (ع) ما نصه: "ما قاله ابنُ عقيل وقع في كلام الشافعي ﵁" أقول: انظر "الأم": (٦/ ١٤٥) بنحوه.
  4. (٤) في النسخ: "ذوي"، وما أثبته الصواب.
1069

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي