بدائع الفوائد

لهم أن يقولوا: إنها إخبارات عن الحال، فخبرها مقارن للتكلم بها.

الثاني: لو كانت خبرًا فإما صدقًا وإما كذبًا، وكلاهما ممتنع، أما الثاني؛ فظاهر، وأما الأول؛ فلأنّ صدقها متوقّف على تقدم أحكامها، فأحكامها إما أن تتوقف عليها، فيلزم١ الدور، أو لا يتوقف، وذلك محال؛ لأنَّه لا توجد أحكامها بدونها.

ولقائل أن يقول: هو دور مَعِيَّةٍ لا تَقَدُّم، فليس بممتنع.

وثالثها: أَنَّها لو كانت إخبارات؛ فإما عن الماضي أو الحال، ويمتنع مع ذلك تعليقها بالشرط؛ لأنَّه لا يعمل إلا في مستقبل.

وإما عن مستقبل، وهي محال؛ لأنَّه يلزم تجردها عن أحكامها في الحال، كما لو صرح بذلك، وقال: ستصيرين طالقًا.

ولقائل أن يقول: ما المانع أن يكون خبرًا عن الحال قولكم: يمتنعُ تعليقها بالشرط؟

قلنا: إذا عُلِّقت بالشرط لم٢ تبق إخبارًا عن الحال، بل إخبارًا عن المستقبل، فالخبر عن الحال الإنشاء المطلق، وأما المعلق فلا.

ورابعها: أنَّه لو قال لمطلقةٍ رجعيَّة: أنت طالق، لزمه طلقة أخرى؛ مع أن خبره صدق. فلما لزمه أخرى دل على أنهما إنشاء.

ولقائل أن يقول: لما قلنا: هي خبر عن الحال، بَطل هذا الإلزام.

وخامسها: أنّ امتثال قوله تعالى ﴿فَطَلَقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]

  1. (١) (ظ ود): "فلزم".
  2. (٢) (د): "فلم".
17

أن يقول: "أنت طالق"، وليس هذا تحريمًا، فإنّ التحريم والتحليل ليس إلى المكلف، وإنَّما إليه أسبابهما، وليس المراد بالأمر: أخبروا عن طلاقهنَّ، وإنما المراد إنشاء أمر يترتب عليه تحريمهن، ولا نعني بالإنشاء إلا ذلك.

ولقائل أن يقول: المأمور به هو السبب الَّذي يترتب عليه الطلاق.

فهنا ثلاثة أمور: الأمر بالتطليق، وفعل المأمور به وهو: التطليق. والطلاق وهو: التحريم الناشئ عن السبب. فإذا أتى بالخبر عما في نفسه من التطليق فقد وفَّى الأمرَ حقه وطلقت.

وسادسها: أنَّ الإنشاء هو المتبادر إلى الفهم عرفًا. وهو دليل الحقيقة، ولهذا لا يحسن أن يقال فيه: صدقى أو كذب، ولو كان خبرًا لحسن١ فيه أحدهما.

وقد أجيب عن هذه الأدلة بأجوبة أُخَر:

فأجيب عن الأول: بأنَّ الشرع قدَّر تقدم مدلولات هذه الأخبار قبل التكلم بها بالزمن الفرد، ضرورة الصدق٢، والتقديرُ أولى من النقل.

وعن الثاني: أن الدور غير لازم، فإنّ هنا ثلاثة أمور مترتبة٣: فالنطق باللفظ لا يتوقف علي شيء، وبَعْده تقدير تقدم المدلول على اللفظ، وهو غير متوقف عليه في التقدير، وإن توقف عليه في الوجود،

  1. (١) (د): "يحسن".
  2. (٢) كذا في (ظ وق)، وفي (د): "بالزمن بالفرد بضرورة".
  3. (٣) (ق ود): "مرتبة".
18

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي