بدائع الفوائد

الحياة والصِّحَّة والمال لا حقَّ لأحد فيه، ولهذا لا يجوزُ له الهِباتُ والعطايا١ للوارِث، وما زاد على الثلُث للأجانب عِبْرَةً بحال صحته، وقطعًا له عن حال مرض الموت، فضلًا عن الموت، وكذا تُعطى الإخوة الأخواتُ مع وجود الابن والأب، وإن لم يكنْ لهم حقٌّ في الإرث، وتلك عطيَّةٌ من الله على سبيل التَّحكُّم لا اختيارَ لأحد فيه، وهذه عطيَّةٌ من مكلَّفٍ غيرِ محجورٍ عليه، فكانت على حسب اختياره من تفضيل وتسوية، وهذا هو القولٌ الصحيحُ عندي.

قلت: وهذه الحجَّةُ ضعيفةٌ جدًّا، فإنها باطلةٌ بما سَلَّمه من امتناع التَّفضيل بين الأولاد المُتَساوِينَ في الذكورة والأنوثة، وكيف يصحَّ له قوله: "إنها عطيَّةٌ من مكلّف غير محجور عليه، فجازت على حسْب اختياره" وأنت قد حَجَرت عليه في التَّفضيل بين المُتَساوِينَ؟.

فائدة٢

قال ابن عقيل: جَرَى٣ في جواز العمل في السَّلطنة الشَّرعية بالسِّياسة: هو الحزم، فلا يخلو منه إمامٌ.

قال شافعيٌّ: لا سياسةَ إلا ما وافق الشَّرْعَ.

قال ابنُ عقيل: السياسةُ ما كان فعلًا يكونُ معه الناسُ أقربَ إلى الصَّلاح، وأبعدَ عن الفساد، وإن لم يضَعْه الرسولُ، ولا نزلَ به

  1. (١) (ق): "يجوز له الهبات والعطيات".
  2. (٢) (ق): "مسألة"، وقد نقل هذا الفصل المؤلف في "الطرق الحكمية": (ص/١٣ - فما بعدها) وعلق عليه بما هو أوسع مما هنا، وعزاه إلى "الفنون"، وانظر ما سبق (٣/ ١٠٣٥).
  3. (٣) كذا بالأصول، والمقصود: جرى خلاف أو نزاع ... فقيل: هو الحزم ....
1087

وحيٌ، فإن أردتَ بقولك: "إلا ما وافقَ الشَّرْعَ" أي: لم يخالفْ ما نَطَق به الشرعُ = فصحيح، وإن أردتَ: ما نطقَ به الشرعٌ١ -فغلطٌ وتغليط للصَّحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والمُثَل ما لا يجحدُه عالم بالسنن، (ق/٢٦٦ ب) ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف كان رأيًا اعتمدوا فيه على مصلحة، وتحريق عليٍّ في الأخاديد وقال:

إني إذا شاهدتُ أمرًا مُنْكَرًاأجَّجْتُ نَارِي ودَعَوْتُ قنْبَرا٢

ونَفَى عُمَرُ نصرَ بن حجَّاجٍ٣.

قلت: هذا موضعُ مَزَلَّةِ أقدام، وهو مقام ضْنكٍ ومعتركٌ صعب، فرَّطَ فيه طائفةٌ، فعطَّلوا الحدودَ وضيَّعوا الحقوقَ وجرَّأوا أهلَ الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعةَ قاصرةً لا تقومُ بها مصالحُ العباد، وسدَّوا على أنفسهم طُرُقًا عديدةً من طرق معرفة المحقِّ من المبطل٤، بل عطَّلوها مع عِلْمهم قطعًا وعِلْمْ غيرهم بأنها أدِلَّةُ حَقٍّ، ظنًّا منهم منافاتها لقواعد الشرع، والذي أوجبَ لهم ذلك نوعُ تقصير في معرفة الشريعة، فلما رأي ولاةُ الأمر ذلك، وأن الناسَ لا يستقيمُ أمرهم إلا٥ بشيء

  1. (١) "فصحيح وإن أردت ما نطق به الشرع" سقطت من (ظ).
  2. (٢) قصة تحريق علي ﵁ للسبيئة أو الزنادقة أخرجها البخاري رقم (٣٠١٧)، وقصة التحريق وإنشاد البيت أخرجه أبو طاهر المخلّص في حديثه بسندٍ حسن قاله الحافظ في "فتح الباري": (١٢/ ٢٨٢). على اختلاف في رواية البيت فى المصادر.
  3. (٣) أخرج قصة نصر بن حجاج ابنُ سعد في "الطبقات" (٣/ ٢٨٥)، والخرائطي قي"اعتلال القلوب": (ص/ ٣٣٧ و٣٣٩)، قال الحافظ: "بسندٍ صحيح"، "الإصابة": (٣/ ٥٧٩).
  4. (٤) (ظ): "الحق من الباطل".
  5. (٥) (ع): "ولا".
1088

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي