زائدٍ على ما فهمه هؤلاء من الشريعة، أَحْدَثوا لهم قوانينَ سياسيةً ينتظمُ بها أمرُ العالمَ، فتولَّد من تقصير أولئك في الشريعة وإحداث هؤلاء ما أحدثوه من أوضاع سياسَتِهم = شرٌّ طويل، وفساد عريضٌ، وتَفَاقَمَ الأمرُ، وتعذَّرَ استدراكُهُ.
وأفرطتْ طائفة أخرى فسَّوغتْ منه ما يُنافي حكمَ الله ورسوله، وكلا الطائفتين أُتِيتْ من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله١، فإنَّ اللهَ أرسل رُسلَهُ وأنزل كُتبهُ ليقومَ الناسُ بالقسط، وهو العدل الذي به قامتْ السَّماواتُ والأرضُ، فإذا ظهرت أماراتُ العدل، وتبيَّنَ وجهُه بأيِّ طريق كان، فثَمَّ شرعُ الله ودينُه، والله تعالى لم يحصرْ طرُقَ العدل وأدلَّتَه وعلاماتِه في شيء، ونفى غيرَها من الطرق التي هي مثلُها أو أقوى منها، بل بيَّن بما شَرَعَهُ من الطُّرُق أن مقصوده إقامةُ العدل وقيام الناس بالقسط، فأيُّ طريقٍ اسْتُخْرِجَ بها العدلُ والقسطُ فهي من الدِّين.
لا يقال: "إنها مخالفةٌ له" فلا تقول: إن السياسةَ العادلةَ مخالفةٌ لما نطقَ به الشرعُ، بل موافقة لما جاء به، بل هي جزءٌ من أجزائه، ونحن نسمِّيها سياسةً تبعًا لمصطلحكم، وإنما هي شرعٌ حقٌّ. فقد حبس رسولُ الله ﷺ في تُهمة٢، وعاقب في تهمة٣، لما ظهر
(١) من قوله: "وكلا الطائفتين ... " إلى هنا سقط من (ع).
(٢) أخرجه أبو داود رقم (٣٦٣٠)، والترمذي رقم (١٤١٧)، والحاكم: (٤/ ١٠٢) وغيرهم من طريق بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جده، وهو حديث حسن كما قال الترمذي، وصححه الحاكم. ووقع في ق): "في نميمة".
(٣) تقدم في قصة الزبير وضربه لابن أبي الحقيق (٣/ ١٠٣٧).
أمارات الرِّيبة على المتهم، فمَنْ أطلقَ كُلَّ متَّهَمٍ وحلّفه وخلَّى سبيلَه مع علمِه باشتهاره بالفساد في الأرض، ونَقْبِه البيوتَ وكثرة سرقاته، وقال: لا آخذُهُ إلا بشاهدَي عدْلٍ؛ فقولهُ مخَالفُ للسِّياسة الشرعية، وكذلك منعَ النبيُّ ﷺ الغَالَّ (ق/ ٢٦٧ أ) من سهمِهِ من الغنيمة١، وتحريق الخلفاء الراشدين متاعَه كله٢، وكذلك أخذه شطرَ مال مانع الزكاة٣، وكذلك إضعافُه الغُرْمَ على سارق ما لا يُقطعُ فيه وعقوبته بالجَلد٤. (ظ/١٨٧ أ) وكذلك إضعافُه الغرْمَ على كاتم الضَّالَّة٥. وكذلك تحريق عمر حانوتَ الخَمَّار٦، وتحريقه قَرْيَةَ خمر٧، وتحريقه قصرَ سعد بن أبي وقَّاص لما احتجَبَ فيه عن الرَّعِيَّة٨، وكذلك حَلْقُه رأسَ نصرِ بن حجَّاج ونفيه٩، وكذلك
(١) أخرجه أبو داود رقم (٢٧١٣)، والترمذي رقم (١٤٦١) -من حديث عمر ﵁- وضعفه البخاري والترمذي، وأشار إلى ذلك أبو داود.
(٢) أخرجه أبو داود رقم (٢٧١٥) من حديث ابن عَمْرو ﵄ وهو ضعيف. وانظر: "التلخيص": (٤/ ٨١، ١١٣).
(٣) أخرجه أحمد: (٣٣/ ٢٢٠ رقم ٢٠٠١٦)، وأبو داود رقم (١٥٧٥) والنسائى: (٥/ ٢٥)، وابن خزيمة رقم (٢٢٦٦)، والحاكم: (١/ ٣٩٨) وغيرهم من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده.
(٤) أخرجه أبو داود رقم (١٧١٠)، والترمذي رقم (١٢٨٩) مختصرًا، والنسائي: (٨/ ٨٥ - ٨٦) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وحسنه الترمذي.
(٥) أخرجه أبو داود رقم (١٧١٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٦) أخرج عبد الرزاق: (٦/ ٧٧) أن عمر أحرق بيتَ رجلٍ وجد فيه خمرًا وكان جُلد فيها.
(٧) ذكر شيخ الإسلام في "الاقتضاء": (٢/ ٤٩) أن عليًا حرق قرية يباع فيها الخمر، ولم أجده عن عمر.
(٨) أخرجه أحمد: (١/ ٤٤٨ رقم ٣٩٠)، وابن المبارك في "الزهد": (ص/ ١٧٩) وسنده صحيح غير أنه منقطع.