بدائع الفوائد

أمارات الرِّيبة على المتهم، فمَنْ أطلقَ كُلَّ متَّهَمٍ وحلّفه وخلَّى سبيلَه مع علمِه باشتهاره بالفساد في الأرض، ونَقْبِه البيوتَ وكثرة سرقاته، وقال: لا آخذُهُ إلا بشاهدَي عدْلٍ؛ فقولهُ مخَالفُ للسِّياسة الشرعية، وكذلك منعَ النبيُّ ﷺ الغَالَّ (ق/ ٢٦٧ أ) من سهمِهِ من الغنيمة١، وتحريق الخلفاء الراشدين متاعَه كله٢، وكذلك أخذه شطرَ مال مانع الزكاة٣، وكذلك إضعافُه الغُرْمَ على سارق ما لا يُقطعُ فيه وعقوبته بالجَلد٤. (ظ/١٨٧ أ) وكذلك إضعافُه الغرْمَ على كاتم الضَّالَّة٥. وكذلك تحريق عمر حانوتَ الخَمَّار٦، وتحريقه قَرْيَةَ خمر٧، وتحريقه قصرَ سعد بن أبي وقَّاص لما احتجَبَ فيه عن الرَّعِيَّة٨، وكذلك حَلْقُه رأسَ نصرِ بن حجَّاج ونفيه٩، وكذلك

  1. (١) أخرجه أبو داود رقم (٢٧١٣)، والترمذي رقم (١٤٦١) -من حديث عمر ﵁- وضعفه البخاري والترمذي، وأشار إلى ذلك أبو داود.
  2. (٢) أخرجه أبو داود رقم (٢٧١٥) من حديث ابن عَمْرو ﵄ وهو ضعيف. وانظر: "التلخيص": (٤/ ٨١، ١١٣).
  3. (٣) أخرجه أحمد: (٣٣/ ٢٢٠ رقم ٢٠٠١٦)، وأبو داود رقم (١٥٧٥) والنسائى: (٥/ ٢٥)، وابن خزيمة رقم (٢٢٦٦)، والحاكم: (١/ ٣٩٨) وغيرهم من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده.
  4. (٤) أخرجه أبو داود رقم (١٧١٠)، والترمذي رقم (١٢٨٩) مختصرًا، والنسائي: (٨/ ٨٥ - ٨٦) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وحسنه الترمذي.
  5. (٥) أخرجه أبو داود رقم (١٧١٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
  6. (٦) أخرج عبد الرزاق: (٦/ ٧٧) أن عمر أحرق بيتَ رجلٍ وجد فيه خمرًا وكان جُلد فيها.
  7. (٧) ذكر شيخ الإسلام في "الاقتضاء": (٢/ ٤٩) أن عليًا حرق قرية يباع فيها الخمر، ولم أجده عن عمر.
  8. (٨) أخرجه أحمد: (١/ ٤٤٨ رقم ٣٩٠)، وابن المبارك في "الزهد": (ص/ ١٧٩) وسنده صحيح غير أنه منقطع.
  9. (٩) تقدم قريبًا.
1090

ضربُه صَبيغًا١، وكذلك مصادرته عمّالَه. وكذلك إلزامه الصحابَةَ أن يُقِلُّوا الحَديثَ عن رسول الله ليشتغلَ الناسُ بالقرآن فلا يُضَيِّعوه٢، إلى غير ذلك من السِّياسة التي ساس بها الأمَّةَ فصارت سُنَّة إلى يوم القيامة، وإن خالفها مَنْ خالفها.

ومن هذا تحريقُ الصديق للُّوطِيِّ٣. ومن هذا تحريقُ عثمان للصُّحف المخالفة للسان قريش٤. ومن هذا اختيار عُمرَ للناس الإفراد بالحج ليعتمروا في غير أشهره، فلا يزالُ البيتُ الحرام مقصودًا٥، إلى أضعافِ أضعاف ذلك من السِّياسات التي ساسوا بها الأمَّة وهي بتأويل القرآن والسنة.

وتقسيمُ النَّاسِ الحُكْمَ إلى شريعة وسياسة، كتقسيم من قَسَّم الطريقةَ إلى شريعةٍ وحقيقةٍ، وذلك تقسيمٌ باطلٌ، فالحقيقةُ نوعان:

حقيقة هي حقٌّ صحيحٌ، فهي لُبُّ الشَّريعة لا قسيمها، وحقيقةٌ باطلة، فهي مضادَّة للشَّريعة كمضادَّة الضَّلال للهدى.

وكذلك السَّياسة نوعان: سياسةٌ عادلة، فهي جزء من الشَّريعة

  1. (١) أخرجه الدارمي: (١/ ٦٦)، والبزار في "مسنده": (١/ ٤٢٣)، واللالكائي: (٤/ ٦٣٥ - ٦٣٦)، وهي قصة مشهورة.
  2. (٢) أخرج مَعمر في "الجامع": (١١/ ٢٦٢) عن الزهري عن أبي هريرة قال: "لما ولي عمر قال: "أقِلُّوا الروايةَ عن رسول الله ﷺ ... " وأخرجه الطبراني في "الأوسط": (٢/ ٣٢٦)، والرامهرمزي في "الحديث الفاصل" (ص/ ٥٥٣)، والروايات عن عمر في هذا المعنى كثيرة.
  3. (٣) أخرجه البيهقي: (٨/ ٢٣٢).
  4. (٤) أخرجه البخاري رقم (٤٩٨٧) وغيره.
  5. (٥) أخرجه مسلم رقم (١٢٢١ و١٢٢٢).
1091

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي