ضربُه صَبيغًا١، وكذلك مصادرته عمّالَه. وكذلك إلزامه الصحابَةَ أن يُقِلُّوا الحَديثَ عن رسول الله ليشتغلَ الناسُ بالقرآن فلا يُضَيِّعوه٢، إلى غير ذلك من السِّياسة التي ساس بها الأمَّةَ فصارت سُنَّة إلى يوم القيامة، وإن خالفها مَنْ خالفها.
ومن هذا تحريقُ الصديق للُّوطِيِّ٣. ومن هذا تحريقُ عثمان للصُّحف المخالفة للسان قريش٤. ومن هذا اختيار عُمرَ للناس الإفراد بالحج ليعتمروا في غير أشهره، فلا يزالُ البيتُ الحرام مقصودًا٥، إلى أضعافِ أضعاف ذلك من السِّياسات التي ساسوا بها الأمَّة وهي بتأويل القرآن والسنة.
وتقسيمُ النَّاسِ الحُكْمَ إلى شريعة وسياسة، كتقسيم من قَسَّم الطريقةَ إلى شريعةٍ وحقيقةٍ، وذلك تقسيمٌ باطلٌ، فالحقيقةُ نوعان:
حقيقة هي حقٌّ صحيحٌ، فهي لُبُّ الشَّريعة لا قسيمها، وحقيقةٌ باطلة، فهي مضادَّة للشَّريعة كمضادَّة الضَّلال للهدى.
وكذلك السَّياسة نوعان: سياسةٌ عادلة، فهي جزء من الشَّريعة
(١) أخرجه الدارمي: (١/ ٦٦)، والبزار في "مسنده": (١/ ٤٢٣)، واللالكائي: (٤/ ٦٣٥ - ٦٣٦)، وهي قصة مشهورة.
(٢) أخرج مَعمر في "الجامع": (١١/ ٢٦٢) عن الزهري عن أبي هريرة قال: "لما ولي عمر قال: "أقِلُّوا الروايةَ عن رسول الله ﷺ ... " وأخرجه الطبراني في "الأوسط": (٢/ ٣٢٦)، والرامهرمزي في "الحديث الفاصل" (ص/ ٥٥٣)، والروايات عن عمر في هذا المعنى كثيرة.
(٣) أخرجه البيهقي: (٨/ ٢٣٢).
(٤) أخرجه البخاري رقم (٤٩٨٧) وغيره.
(٥) أخرجه مسلم رقم (١٢٢١ و١٢٢٢).
وقسمٌ من أقسامها لا قسيمها. وسيَاسَةٌ باطِلَةٌ فهِيَ مُضَادَّة للشَّريعة١ مضَادَّةَ الظُّلم للعدل.
ونظير هذا: تقسيمُ بعض الناس الكلامَ في الدِّين إلى الشرع والعقل هو تقسيمٌ باطل، بل المعقولُ قسمان: قسمٌ يوافق ما جاء به الرسولُ، فهو معقولُ: كلامِه ونصوصِه، لا قسيم ما جاء به، وقسم يخالِفُه، فذلك ليس: بمعقولٍ، وإنما هو خيالاتٌ وشُبَهٌ باطلة يظن صاحبها أنها معقولات، وإنما هي خيالاتٌ وشُبُهَاتٌ.
وكذلك القياسُ والشرع، فالقياسُ الصحيح هو معقولُ النصوص، والقياسُ الباطل المخالف للنصوص مضَادٌّ للشرع.
فهذا الفصلُ هو فَرْقُ ما بينَ وَرثَةِ الأنبياء وغيرهم، وأصله مبنيٌّ على حرف واحد، وهو عموم رسالة النبي ﷺ بالسُّنَّة، إلى كلِّ ما يَحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم التي بها صلاحُهُمْ في معاشهم ومَعَادِهم، وأنه لا حاجةَ إلى أحد سواه ألبَتَّةَ، وإنما حاجتُنا إلى من يُبَلغُنا عنه ما جاء به، فمن لم يستقر هذا في قلبه لم يرسخ قدمُه في الإيمان بالرسول، بل يجبُ الإيمان بعموم رسالته في ذلك، كما يجبُ الإيمان بعموم رسالته بالنسبة إلى المُكَلَّفين، (ق/٢٦٧ ب) فكما لَا يخرجُ أحد من الناس عن رسالته ألبتة فكذلك لا يخرجُ حقٌّ من العلمِ والعملِ عما جاء به، فما جاء به هو الكافي الذي لا حاجَةَ بالأمَّةِ إلى سواه، وإنما يحتاجُ إلى غيره من قلَّ نصيبُه من معرفته وفهمه، فبحسب قلَّة نصيبِهِ من ذلك تكون حاجتُه، وإلا فقد توفي رسول الله ﷺ وما٢ طائر يُقَلِّب جناحيه في السَّماء إلا وقد ذكر للأمَّة
(١) من قوله: "كمضادة الضلال ... " إلى هنا ساقط من (ق).