وقسمٌ من أقسامها لا قسيمها. وسيَاسَةٌ باطِلَةٌ فهِيَ مُضَادَّة للشَّريعة١ مضَادَّةَ الظُّلم للعدل.
ونظير هذا: تقسيمُ بعض الناس الكلامَ في الدِّين إلى الشرع والعقل هو تقسيمٌ باطل، بل المعقولُ قسمان: قسمٌ يوافق ما جاء به الرسولُ، فهو معقولُ: كلامِه ونصوصِه، لا قسيم ما جاء به، وقسم يخالِفُه، فذلك ليس: بمعقولٍ، وإنما هو خيالاتٌ وشُبَهٌ باطلة يظن صاحبها أنها معقولات، وإنما هي خيالاتٌ وشُبُهَاتٌ.
وكذلك القياسُ والشرع، فالقياسُ الصحيح هو معقولُ النصوص، والقياسُ الباطل المخالف للنصوص مضَادٌّ للشرع.
فهذا الفصلُ هو فَرْقُ ما بينَ وَرثَةِ الأنبياء وغيرهم، وأصله مبنيٌّ على حرف واحد، وهو عموم رسالة النبي ﷺ بالسُّنَّة، إلى كلِّ ما يَحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم التي بها صلاحُهُمْ في معاشهم ومَعَادِهم، وأنه لا حاجةَ إلى أحد سواه ألبَتَّةَ، وإنما حاجتُنا إلى من يُبَلغُنا عنه ما جاء به، فمن لم يستقر هذا في قلبه لم يرسخ قدمُه في الإيمان بالرسول، بل يجبُ الإيمان بعموم رسالته في ذلك، كما يجبُ الإيمان بعموم رسالته بالنسبة إلى المُكَلَّفين، (ق/٢٦٧ ب) فكما لَا يخرجُ أحد من الناس عن رسالته ألبتة فكذلك لا يخرجُ حقٌّ من العلمِ والعملِ عما جاء به، فما جاء به هو الكافي الذي لا حاجَةَ بالأمَّةِ إلى سواه، وإنما يحتاجُ إلى غيره من قلَّ نصيبُه من معرفته وفهمه، فبحسب قلَّة نصيبِهِ من ذلك تكون حاجتُه، وإلا فقد توفي رسول الله ﷺ وما٢ طائر يُقَلِّب جناحيه في السَّماء إلا وقد ذكر للأمَّة
(١) من قوله: "كمضادة الضلال ... " إلى هنا ساقط من (ق).
(٢) (ظ): "وما من".
منه علمًا١، وعلَّمهم كل شيءٍ، حتى آدابَ التخَلِّي وآداب الجماع والنوم، والقيام والقعود، والأكل والشرب، والرُّكوب والنزول، ووصف لهم العَرْشَ والكرسِيَّ والملائكة، والجنة والنار، ويوم القيامة وما فيه، حتى كأنهم٢ رأيُ عَيْن، وعرَّفهم بربِّهم ومعبودِهم أتمَّ تعريف، حتى كأنهم يَرَوْنه بما وصفه لهم من صفات كماله ونعوت جلاله، وعرَّفهم الأنبياءَ وأُمَمَهُمْ وما جرى لهم معهم، حتى كأنهم كانوا بينهم، وعرَّفهم من طرق الخير والشر، دقيقِها وجليلِها، ما لم يعَرِّفْهُ نبيّ لأمَّتِهِ قبلَهُ.
وعرَّفهم من أحوال الموت وما يكونُ بعدَه في البرزخ، وما يحصلُ فيه من النعيم والعذاب للرُّوح والبَدَن ما جلَّى لهم ذلك حتى كأنهم يُعَاينوه.
وكذلك عرفهم من أدِلَّة التوحيد والنُّبُوَّة والمعَاد والرَّدِّ على جميع طوائف أهل الكفر والضَّلال، ما ليس لمن عرفه حاجةٌ إلى كلام أحدٍ من الناس ألبتةَ.
وكذلك عرَّفهم من مكايد الحروب ولقاء العدو وطرُق الظَّفَر به، ما لو علموه وفعلوه لم يَقُمْ لهم عدوٌّ أبدًا.
وكذلك عَرَّفهم من مكائد٣ إبليسَ وطرقه التي يأتيهم منها وما يحترزون به من كَيْدِه ومكرِه، وما يدفعون به شَرَّه ما لا مزيدَ عليه.
(١) جاء هذا في حديثٍ أخرجه البخاري رقم (٦٦٠٤)، ومسلم رقم (٢٨٩١) من حديث حذيفة ﵁.
(٢) (ظ): "كأنه".
(٣) من قوله: "الحروب ولقاء ... " إلى هنا ساقط من (ظ).