بدائع الفوائد

يقفون بمُزْدلفة، فقال: "خَالَفَ هَدْينا هَدْيَ المُشْرِكينَ"١، وكالدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ قبلَ طلُوع الشَّمس، فإنهم كانوا لا يدفعون منها حتى تشرقَ الشمسُ، فَقَصَد مخالَفَتهم وصارت سنَّة إلى يوم القيامة، وهذه قاعدةٌ من قواعد الشرع: أنَّ الأحكامَ المشروعة لهذه الأسباب في الأصل لا يشترطُ في ثبوتها قيامُ تلك الأسباب؛ فلو كان ما ذكرتم من الأسباب في كون الجماعة مأمورًا بها في صلاة الخوف هو الواقعَ، لم يلزمْ مه سقوطُ الأمر بها عند زوال تلك الأسباب، وفَتحْ هذا الباب يفضي إلى إسقاطِ كثيرٍ من السُّنن، وذلك باطلٌ.

فائدة٢

الخلافُ في كون عائشة أفضلَ من فاطمة أو فاطمة أفضلُ، إذا حُرِّرَ محلُّ التفضيل صار وفاقًا، فالتفضيل بدون التفصيل٣ لا يستقيمُ.

فإن أُريْدَ بالفضل كثرةُ الثواب عند الله؛ فذلك أمر لا يُطَّلَعُ عليه إلا بالنَّصَّ؛ لأنه بحَسْب تفاضُل أعمال القلوب لا بمجرَّد أعمال الجوارح، وكم من عامِلَين أحدُهما أكثرُ عملًا بجوارحه، والآخرُ أرفعُ درجة منه في الجنة.

وإن أُريْدَ بالتفضيل التفضيل بالعلم؛ فلا ريبَ أن عائشة أعلمُ وأنفعُ للأمَّة، وأدَّت إلى الأمَّة من العلم ما لم يؤَدِّ غَيْرُها، واحتاج إليها خاصُّ الأمَّةِ وعامَّتها.

  1. (١) أخرجه البخاري رقم (١٦٦٥)، ومسلم رقم (١٢١٩) من حديث عائشة ﵂.
  2. (٢) (ق): "مسألة".
  3. (٣) "صار وفاقًا، فالتفضيل بدون التفصيل" سقطت من "ظ".
1101

وإن أريد بالتفضيل شرَف الأصل وجلالة (ظ/ ١٨٨ ب) النَّسَب؛ فلا ريب أن فاطمةَ أفضل، فإنها بضعةٌ من النبي ﷺ وذلك اختصاصٌ لم يَشْرَكْها فيه غيرُ إخوتها.

وإن أريد السيادةُ؛ ففاطمةُ سيّدَةُ نساء الأمَّة١.

وإذا ثبتتْ٢ وجوهُ التفضيل وموادُّ٣ (ق/٢٧٠ أ) الفضل وأسبابُه؛ صارَ الكلامُ بعلمٍ وعدل، وأكثرُ الناس إذا تكلَّم في التفضيل لم يفصِّلْ جِهَات الفضل ولم يوازن بينها، فيبخسُ الحق، وإن أنْضَافَ إلى ذلك نوع تعصُّبٍ وهوىً لمن يُفَضَلُهُ تكلَّمَ بالجهلِ والظلمِ.

وقد سُئل شْيخُ الإسلام ابن تيميَّة عن مسائلَ عديدةٍ من مسائلِ التَّفضيل فأجاب فيها بالتَّفصيل الشافي:

فمنها: أنه سئِل عن تفضيل الغَنِيِّ الشَّاكر على الفقير الصابر أو بالعكس؟ فأجاب بما يشفي الصدور فقال: أفضلُهما أتقاهما لله تعالى، فإن استويا في التَّقوى استويا في الدَّرَجة٤.

ومنها: أنه سئل عن عشْر ذي الحِجَّة والعشر الأواخر من رمضانَ أيُّهما أفضل؟ فقال: أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضانَ، وليالي العشر الأواخر من رمضان أفضلُ من ليالي عشر ذي الحجة.

  1. (١) أخرجه البخاري رقم (٣٦٢٤)، ومسلم رقم (٢٤٥٠) من حديث عائشة ﵂.
  2. (٢) (ق): "تبينت".
  3. (٣) كذا في (ع وق)، و(ظ): "موارد".
  4. (٤) تكلم شيخ الإسلام على هذه المسألة في "الفتاوى": (١١/ ٢١، ١٢٢، ١٩٥) وغيرها، وله فيها مصَّنف مفرد، ذكره ابن رُشيق ضمن مؤلفاته، انظر "الجامع لسيرة شيخ الإسلام": (ص/ ٢٤٩).
1102

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي