بدائع الفوائد

وإذا تأمل الفاضل اللبيب هذا الجوابَ وجده شافيًا كافيًا، فإنه "لَيْسَ مِن أيام العَملُ فِيها أحَبَّ إِلَى اللهِ مِنْ أيامِ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ"١ وفيهما يوم عرفة ويوم النَّحر ويوم التَّرْوية. وأما ليالي عشر رمضان فهي ليالى الإحياء التي كان رسول الله ﷺ يُحييها كلَّها٢، وفيها ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، فمن أجاب بغير هذا التفصيل لم يُمكنهُ أن يُدْلِى٣ بِحُجَّةٍ صحيحةٍ٤.

ومنها: أنه سُئِلَ عن ليلة القدر وليلة الإسراء بالنبي ﷺ أيُّهما أفضلُ؟

فأجاب: بأن ليلة الإسراء أفضلُ في حقِّ النبي ﷺ وليلةُ القدر أفضلُ بالنسبة إلى الأمّة، فحظ النبي ﷺ الذي اختصَّ به ليلة المعراج منها أكملُ من حظِّه من ليلة القدر، وحظُّ الأمَّةِ من ليلة القدر أكملُ من حظِّهم من ليلة المعراج وإن كان لهم فيها أعظمُ حظٍّ؛ لكن الفضل والشَّرَف والرتبة العليا إنما حصلتْ فيها لمنْ أُسرِيَ به ﷺ٥.

ومنها: أنه سئِلَ عن يوم الجمعة ويومِ النحر أيهما أفضل٦؟

فقال: يومُ الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم النحرِ أفضلُ أيام العام، وغيرُ هذا الجواب لا يلمُ صاحبه من الاعتراض الذي لا

  1. (١) أخرجه البخاري عن ابن عباسٍ ﵄ رقم (٩٦٩).
  2. (٢) أخرجه البخاري رقم (٢٠٢٤)، ومسلم رقم (١١٧٤) من حديث عائشة ﵂.
  3. (٣) (ق وظ): "يدل".
  4. (٤) انظر "الفتاوى": (٢٥/ ٢٨٧) وهو منقول من هنا.
  5. (٥) انظر "الفتاوى": (٢٥/ ٢٨٦)، وهو منقول من هنا، وانظر: "زاد المعاد": (١/ ٥٧).
  6. (٦) "أيهما أفضل" من (ع).
1103

حيلةَ في دفعه١.

ومنها: أنه سئِلَ٢ عن خديجةَ وعائشةَ أُمَّي المؤمنين، أيهما أفضل؟

فأجاب: بأن سبقَ خديجة وتأثيرها في أول الإسلام، ونصرَها وقيامَها في الدين، لم تشركها فيه عائشة ولا غيرها من أمهات المؤمنين، وتأثيرُ عائشةْ في آخر الإسلام، وحمل الدين وتبليغه إلى الأمَّة، وإدراكها من العلم ما لم تشركها فيه خديجةُ ولا غيرها مما تميَّزت به عن غيرها، فتأمَّلْ هذا الجواب الذي إذا أجبْتَ٣ بغيره من التفضيل مطلقًا لم تتخلَّصْ من المعارضة٤.

ومنها: أنه سئل عن صالحي بني آدَمَ والملائكة أيهما أفضل؟

فأجاب: بأن صالحي البشر أفضل باعتبار كمال (ق/ ٢٧٠ ب) النهاية، والملائكة أفضل باعتبار البداية، فإنَّ الملائكةَ الآن في في الرَّفيق الأعلى منَزَّهِين عما يلابسُهُ بنو آدم مستغرقون في عبادة الرَّبِّ، ولا ريبَ أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر، وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة فيصير حالُ صالحي البشر أكملَ من حال الملائكة٥.

وبهذا التفصيل يتبيَّنُ سرُّ التفضيل، وتتَّفِقُ أدِلَّة الفريقين، ويُصالَح كلُّ منهم على حقه، فعلى المتكلم في هذا الباب أن يعرفَ أسبابَ

  1. (١) انظر: "الفتاوى": (٢٥/ ٢٨٨ - ٢٨٩).
  2. (٢) سقط السؤال السابق بكامله إلى هنا من (ق).
  3. (٣) (ظ)،: "لو جئت".
  4. (٤) انظر: "الفتاوى": (٤/ ٣٩٣، ٣٩٤). وفي (ع) بعدها: "يأتي تتمة هذه الفائدة وهو قوله: ومنها: أنه سُئل عن صالحي ... " فأخر الجواب إلى آخر (ق/ ٦٥ ب).
  5. (٥) انظر: "الفتاوى" (٤/ ٣٥٠ - ٣٩٢) وهي رسالة خاصة بهذه المسألة.
1104

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي