بدائع الفوائد

قلت لشيخنا: فلو قُتِلَتِ الزوجة لم يجبْ للزوجِ المهرُ على قاتلها، مع كونه قد أخرج البُضْع عن مُلْكه وفوَّته إياه، فلو كان خروجُه متقوِّمَا لوجب له على القاتل المَهْرُ.

فقال: النكاحُ معقودٌ على مُدَّة الحياة، فإذا قُتِلَتْ زال وقتُ النكاح وانقضى أمدُه، فلا يجِبُ للزوج شيء بحد ذلك كما لو ماتتْ.

قلت له: فلو أفسد مفسدٌ نكاحَها بعد (ق/٢٧٢ ب) الدُّخول لاستقرَّ المهرُ على الزوج ولم يرجعْ على المفسد، فضَعَّف هذا القول، وقال: عندي أنه يرجعُ به وهوَ المنصوص عن أحمد، وهو مبنيٌّ على هذا الأصل، فإذا ثبت أن خروجَ البُضْع من ملكه متقوِّم فله قيمتهُ على من أخرجه من ملكه.

قلت١: ويَرِدُ عليه ما لو أفسدت نكاحَ نفسها بعد الدخول، فإن مهرَها لا يسقطُ قولًا واحدًا، ولم أسألْه عن ذلك، وكان يمنعُ ذلك، ويختارُ سقوط المهر ويُثبتُ الخلاف في المذهب، ولا فرقَ بين ذلك وبين إفساد الأجنبي، فطَرَد قولَ من طَرَد هذا الأصل، وقالَ بالتقويم في حال الخروج أن يسقطَ المهر إذا أفسدته هي، ولو قيل: إن مهرَها لا يسقطُ بذلك قولًا واحدًا. وإن قلنا: بأنَّ خُروجَ البُضْع متقومٌ فيجب لها (ظ / ١٩٠ ب) مهرُها المسمَّى في العقد، وعليها مهرُ المِثل وقتَ الإفساد اعتبارًا بخروجهِ٢ عن ملكه حينئذٍ -لكان مُتَوَجِّهًا، ولكن يُشكِل على هذا أن الله -سبحانه- اعتبر في خروج البُضْع ما أنفقَ الزَّوْجُ،

  1. (١) هنا حاشية في (ع) نثبت ما ظهر منها: "الشيخُ في "المغني": (١١/ ٣٣٣) ذكر أنه لا يعلم خلافًا في عدم سقوطه بإفسادها بعد الدخول؛ ولكن في ... شرح الهداية لأبي البركات ما يقتضي أن (فيه) خلافًا" اهـ.
  2. (٢) (ظ): "لأن اعتبار خروجه ... ".
1113

وهو المسمَّى لا مهر المثل.

وكذلك الصحابةُ حكموا للمفقود بالمسمَّى الذي أعطاها لا بمهر المثل، فطَرْد هذه القاعدة: أن مهرَها يسقطُ بإفسادها، وهو الذي كان شيخُنا يذهبُ إليه.

فإن قيل: فما تقولون في شهود الطلاق إذا رجعوا قبل الدخول أو بعده؟

قيل: أما قبلَ الدخول فيلزمُهُ نصفُ المهر، ويرجعُ به على الشهود. وفيها مأخذان: أحدهما: أنه يعوَّمُ عليه في دخوله بنصف المهر الذي غَرِمَه فيقوَّمُ عليه في خروجه بنظيره، والثاني: أنهم ألجأوه إلى غُرْمِه، وكان بصدَدِ السقوط جملة بأن ينسُبَ١ الزوجةَ إلى إسقاطه، ورُجِّح هذا المأخذ بأنه لو كان الغرمُ لأجل التقويم للزمهم نصفُ مهر المثل؛ لأنه هو القيمةُ لا المسمَّى، وقد تقدم أن الشَّارع إنما اعتبر تقويمَهُ في الخروج بالمسمَّى لا بمهر المثل وكذلك خلفاؤُه الراشدون.

فإن قيل: لو كان الغُرمْ لأجل التَّقويم للزم الشهودَ جميعُ المهر؛ لأنهم أخرجوا البُضْعَ كُلَّه من مُلكه.

قيل: هو متقوِّم عليه بما بَذَلَهُ، فلما كان المبذول نصفُ المهر كان هو الذي رَجَعَ به، ولا ريبَ أنّ خروج البُضْع قبل الدّخول دونَ خروجه بعدَ الدخول، فإن المقصود بالنِّكاح لم يحصل إلا بالدخول٢، فإذا دخل استقر له ملك البُضْع واستقر عليه الصَّداق، وأما إذا رجع

  1. (١) (ع وق): "تتسبب".
  2. (٢) في هامش (ع): "قد قال بموجبه الشافعي في أحد قوليه".
1114

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي