الشهود بعد الدخول فكذلك يقول: يجبُ عليهم غُرْمُ المهر (ق/٢٧٣ أ) الذي بذله الزوجُ، وهو إحدى الروايتينَ عن أحمد.
فإن قيل: فما في مقابلة المهر قد استوفاه بوَطْئِهِ فلم يَفُتْ١ عليه شيء.
قيل: ليس كذلك؛ لأنه إنما بَذَلَ المهرَ في مقابلة بُضْع يَسْلَم له الاستمتاعُ به، فإذا لم يَسْلَمْ له رجع بما بذله، ويدلُّ عليه حكم الله في المُهاجرات، وحكم الصحابة في امرأة المفقود.
فإن قيل: فما تقولونَ فيما إذا أفسدت امرأةٌ نكاحَه بِرَضَاع؟.
قيل: إن أفسدَتْا قيلَ الدخول غَرِمَتْ نصفَ المهر، وفيه مأخذان: أحدهما: أنها قررته عليه، وهذا مأخذُ كثير من الأصحاب، لظنِّهم أنه لو كان لأجل التَقويم لغرِمت كمالَ المهر بعد الدخول والثاني: -وهو الصحيح- أنها إنما غَرِمته لأنه متقوِّم في خروجه، وقد يقوَّم بنصف المهر، وهو الذي بذله، فهو الذي يرجعُ به، وعلى هذا فإذا كان الإفسادُ بعد الدُّخول رجع عليها بكمال المهر، هذا منصوص أحمدَ في رواية ابن القاسم٢، وقال بعضُ أصحابه: لا يرجِعُ بشيء، والمنصوصُ هو الأقوى دليلًا ومذهبًا. والله أعلم.
فائدة٣
إذا خاف على نفسِه الهلاكَ، وأبى صاحبُ الطعام أن يبذُلَهُ إلا
(١) ق،: "يثبت"!.
(٢) هو: أحمد بن القاسم صاحب أبي عبيد، حدَث عن الإمام بمسائل كثيرة. "طبقات الحنابلة": (١/ ١٣٥).
(٣) (ق): "مسألة".
بعقد ربا، فهل يباحُ أخذهُ منه على هذا الوجه، أو يغالبه ويقاتله١؟.
فقال بعض أصحاب أحمد: الرِّبا عقدٌ محظور لا تُبيحُهُ الضَّرُورة، والمغالَبَةُ والمقاتلة للمانع طريق أباحَهُ الشرع، فينبغي لهَ أن يغلِبَهُ على قَدْر ما (ظ/ ١٩١ أ) يحتاج إليه، ولا يدخل في الرِّبا، فإِن لم يقدر دخل معه في العَقد ملافظةً وعزم بقلبه على٢ أن لا يُتمِّمَ عقدَ الرِّبا، بل إن كان نسِيئًا٣ عَزَمَ على أن يجعلَ العِوَض الثابتَ في الذِّمَّة قَرضًا.
ولو قيل: إن له أن يُظْهرَ معه صورة الرِّبا ولا يغالبَهُ ولا يقاتلهُ، ويكون بمنزلة المُكْرَهِ، فيعُطيه من عقد الربا صورتهُ لا حقيقَتَهُ، لكان أقوى من مقاتَلتهِ.
فلو اتَّفق مثل هذا لامرأة فأبى صاحبُ الطعام أن يَبْدْلَهُ لها إلا بالفُجور بها؛ فهل يباحُ لها ذلك إذا خافتِ الهلاكَ؟ قال بعضُ أصحابنا: لها أن تبدلَ نفسَها، ويجري ذلك مجرى التهديد بقتلها من قادر، فإن المنعَ في هذا الحال قتلٌ، ولهذا يوجب القَوَدَ على صاحب الطعام إذا مَنع المضطرَّ حتى ماتَ، قال: وغاية ما يُمْكنُها مما يُبعدها عن الزنا يجب فعله بأن تقول: قدِّمْ عقد زوجيَّة على أرخص المذاهب ولو بِمُتعَة، ولا تمكِّنُهُ تمكينًا بغير عقدٍ رأسًا، مع إمكان أن يرغبَ إليه في عقدٍ على قولِ بعض أهل الإسلامِ.
فلو اتَّفق مثل هذا: لِصَبِيٍّ٤ صَبَرَ لحُكْمِ الله ولقائه، (ق/٢٧٣ ب)
(١) (ق): "أو بمغالبة ومقاتلة".
(٢) (ع): "فعليه"، و(ق): "وعزم على".
(٣) (ق): "كيسا"و(ع) غير بيّنة ويُشبِه أن تكون: "شيئًا".