"الدُّنيا سِجْنُ المُؤْمِنِ"١ فيه تفسيرانِ صحيحانِ:
أحدهما: أن المؤمنَ قَيَّدَهُ إيمانُهُ عن المحظورات، والكافر مطلقُ التَّصَرُّف.
الثاني: أن ذلك باعتبار العواقب، فالمؤمنُ لو كان أنعمَ النَّاس، فذلك بالإضافة إلى مآله في الجنة كالسِّجن، والكافرُ عكْسُه، فإنه لو كان أشدَّ النَّاس (ظ/١٩٢ ب) بؤسًا فذلك بالنسبة إلى النار جَنَّتُه٢.
فائدة
سأل تلميذٌ أستاذَهُ أن يمدحَهُ في رقعة إلى رجل، ويبالغَ في مدحه بما هو فوقَ رُتبته، فقال: لو فعلتُ ذلك لكنتُ عند المكتوبِ إليه إما مقصِّرًا في الفهم؛ حيث أعطيتُكَ فوق حَقِّكَ، أو متَّهمًا في الإخبار فأكون كذابًا، وكلا الأمرينِ يضرُّك؛ لأني شاهِدُك، وإذا قُدِح في الشاهد بطل حَقُّ المشهود له٣.
فائدة
قال قائل: أراني٤ إذا دُعيتُ باسمي دون لَقَبي شقَّ ذلك عَلَيَّ
(١) أخرجه مسلم رقم (٢٩٥٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) وانظر جواب الصُّعْلوكي على سؤال عبدٍ يهودي عن هذا الحديث مع ما هو عليه -أي اليهودي- من المهانة والذل، والشيخ الصعلوكي من الجاه والمنزلة؛ فقال على البديهة: "إذا صرتَ غدًا إلى عذاب الله كانت هذه جنتك، وإذا صِرت أنا إلى نعيم الله ورضوانه، كان هذا سجني". "الطبقات السنية": (٤/ ٦٠) للتميمي.
(٣) بنحوها في "البصائر والذخائر" للتوحيدي.
(٤) (ق): "إني".
جدًّا بخلاف السَّلَف، فإنهم كانوا يُدْعَوْن بأسمائهم.
فقيل له: هذا لمخالفة العادات؛ لأن أُنسَ النفوس بالعادة طبيعةٌ ثابتةٌ؛ ولأن الاسم عند١ السَّلَف لم يكن٢ دالًا على قِلَّة رُتْبة المدعوِّ، واليوم صارت المنازلُ في القلوب تُعلم بأمارة الاستدعاء، فإذا قصَّر دَلَّ على تقصير رُتبته فيقع السخطُ لما وراء الاستدعاء. فلما صار المخاطباتُ موازينَ المقادير، شقَّ على المخطوط من رتبته قولًا، كما شق٣ عليه فعلًا.
فائدة٤
سمع بعض أهل العلم رجلًا يدعو بالعافية، فقال له: يا هذا استعملِ الأدويةَ وادعُ بالعافية، فإن الله تعالى إذا كان قد جعل إلى العافية طريقًا. وهو التَّدَاوي ودعوتَهُ بالعافية، ربما كان جوابُهُ: قد عافيتُكَ بما جعلتهُ ووضعتُهُ سببًا للعافية، وما هذا إلا بمثابة من بينَ زرعِهِ وبينَ الماء ثُلْمَةٌ يدخلُ منها الماء يسقي زرعه، فجعل يُصلِّي ويستسقي لزَرْعه، ويطلبُ المطر مع قدرته على فَتْح تلك الثُّلْمة لسقي زَرْعه، فإن ذلك لا يحسُنُ منه شرعًا ولا عقلًا، ولم يكن ذلك إلا لأنه سبق بإعطاء الأسباب، فهو إعطاء بأحد الطريقين، وله أن يُعطي بسبب وبغير سبب، وبالسبب ليُبَيَّنَ به ما أفاض صنعه، وما أودع (ق/ ٢٧٦ أ) في مخلوقاته من القُوَى والطبائع والمنافع، وإعطاؤه لغير سبب ليُبيَّنَ للعباد أن القُدرة غيرُ مفتَقِرة إلى واسطة في فعله، فإذا