بدائع الفوائد

فائدة

تأمَّلِ الحكمةَ في التَّشديد في أول التَّكليف ثم التَّيسير في آخره، بعد توطين النَّفس على العزم والامتثال، فيحصل للعبد الأمران: الأجرُ على عزمه وتوطين نفسه على الامتثال، والتيسيرُ والسهولة بما خفَّف الله عنه.

فمن ذلك: أمرُ الله تعالى رسولَه بخمسين صلاة ليلة الإسراء، ثم خَفَّفها، وتصدَّقَ بجعلها خمسًا١.

ومن ذلك: أنه أمَرَ أولًا بصبر الواحد للعشرة، ثم خفَّف ذلك إلى الاثنين٢.

ومن ذلك: أنه حرَّمَ عليهم في الصِّيام إذا نام أحدُهم أن يأكل بعد ذلك أو يجامعَ، ثم خفَّف عنهم بإباحة ذلك إلى الفجر٣.

ومن ذلك: أنه أوجب عليهم تقديمَ الصَّدَقَة بين يَدَيْ مناجاة رسوله ﷺ، فلما وطَّنوا أنفسَهم على ذلك خفَّفه عنهم٤.

ومن ذلك: تخفيفُ الاعتداد بالحَوْل بأربعة أشهر وعشرًا٥.

وهذا٦ كما قد يقعُ في الابتلاء بالأوامر فقد يقعُ في الابتلاء

  1. (١) في حديث الإسراء الطويل في الصحيحين.
  2. (٢) أي: في الجهاد، كما في سورة الأنفال الآيات (٦٥ - ٦٦).
  3. (٣) كما في سورة البقرة آية (١٨٧)، وأخرجه البخاري رقم (١٩١٧)، ومسلم رقم (١٠٩١) من حديث سهل بن سعد ﵁.
  4. (٤) كما في سورة المجادلة الآيات (١٢ - ١٣).
  5. (٥) انظر: "الفتح": (٨/ ٤١ - ٤٢)، و"تفسير ابن كثير": (٢/ ٦٠٥ - ٦٠٦).
  6. (٦) من قوله: "على ذلك ... " إلى هنا ساقط من (ع).
1133

بالقضاء والقدر، يشدَّد على العبد أولًا ثم يخفَّف عنه، وحكمة هذا تسهيل الثاني بالأول، في تلقِّي الثاني بالرِّضى، وشهود المِنَّة والرحمة.

وقد يفعل الملوكُ ببعض رعاياهم قريبًا من هذا، فهؤلاء المُصَادَرُونَ يُطْلَبُ منهم الكَثِيرُ جدًّا الذي ربما عَجَزوا عنه، ثم يحُطُّونَه إلى ما دونَه لِتُطَوِّعَ لهم أنفسُهم بذلَهُ ويَسْهُلَ عليهم.

وقد يفعل بعض الحمَّالين قريبًا من هذا، فيزيدون على الحمل أشياء لا يحتاجون إليها، ثم يحُطُّ تلك الأشياء فيسهل حملُ الباقي عليهم.

والمقصود: أنَّ هذا باب من الحكمة خَلْقًا وأمرًا، ويقعُ في الأمر والقضاء والقدر أيضًا ضد هذا، فينقل عبادَهُ بالتَّدريج من اليسير إلى ما هو أشدُّ منه؛ لئلا يفجَأَها الشديدُ بغتةً، فلا تحتملُه ولا تنقادُ له، وهذا لتدريجهم في الشَّرائع شيئًا بعد شيء، دون أن يؤمروا بها كلِّها وهلةً١ واحدةً، وكذلك المحرَّمات.

ومن هذا: أنهم أُمروا بالصلاة أولًا ركعتين ركعتين فلما (ظ/ ١٩٤ أ) أَلِفُوها زيد فيها ركعتين أخريين في الحَضَر٢.

ومن هذا: أنهم أُمروا أولًا بالصيام وخُيِّروا (ق/ ٢٧٨ أ) فيه بين الصَّوم عينًا، وبين التَّخيير بينه وبين الفدية، فلما أَلِفُوه أُمروا بالصَّوْم عينًا٣.

  1. (١) (ع): "وهذه".
  2. (٢) أخرجه البخارى رقم (٣٥٠)، ومسلم رقم (٦٨٥) من حديث عائشة ﵂.
  3. (٣) كما في سورة البقرة الآيات (١٨٤ - ١٨٥).
1134

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي