بدائع الفوائد

العملين إلَاّ بالنية، فعملٌ لا يصحبُه إرادة المعبود غيرُ مقبول ولا معْتَدٌّ به، (ظ/١٩٦ ب) وكذلك عملٌ لا تصحبُه إرادةُ التَّعَبُّدِ له والتَّقَّرُّب إليه غيرُ مقبولٍ ولا معتدٍّ به، بل نيَّةُ التقرُّب والتعبُّد جزءٌ من نيَّةُ الإخلاص، ولا قَوَام لنية الإخلاص للمعبود إلا بنية التعبد، فإذا كانتْ نِيَّةُ الإخلاصِ شرطًا في صحَّة كلِّ أداء العبادة، فاشتراط نيةِ التَّعَبُّدِ أولى وأحرى، ولا جوابَ عن هذا ألبتةَ إلَاّ بإنكار أن يكون الوضوءُ عبادةً، وذلك يلتحقُ بإنكار المعلوم من الشَّرْع بالضَّرورة، وهو بمنزلةِ إنكار كَوْنِ الصوم والزكاة والحجِّ والجهادِ وغيرِها عباداتٍ، واللهُ الموفق للصواب.

فائدة١

ذكر أحمد بن مروان المالكي٢ عن ابن عباس: أنه سئل عن ميت مات ولم يوجد له كفن قال: "يُكَبُّ على وجهه ولا يُسْتَقْبَلُ (ق/ ٢٨٢ أ) بفرجه القبلة".

قلت: هذا بعيدُ الصِّحَّة عن ابن عباس، بل هو باطلٌ، والصواب أنه يُسترُ بحاجز من تراب، ويوضعُ في لحده على جنبه مستقبلَ القبلة، كما ينامُ العُرْيان الذي نُشر عليه ملاءة أو غيرها، وإذا كان عليه حاجزٌ من تُراب وهو مستقبلُ القبلةِ كان بمنزلة من عليه ثيابه.

فائدة٣

* وذكر أيضًا٤ عن مجاهد قال: جلست إلى عبد الله بن

  1. (١) هذه وما بعدها في (ظ): "مسألة".
  2. (٢) هو: الدينوري صاحب "المجالسة وجواهر العلم": ت (٣٣٣)، وقد ذكر هذا الأثر في كتابه السالف: (٣/ ٣٣١ رقم ٩٥٣) مسندًا، وسنده ضعيف.
  3. (٣) من (ق).
  4. (٤) في "المجالسة": (٣/ ٣٧٦ رقم ١٠٠٧) مسندًا، وفيه انقطاع.
1149

عُمر١ وهو يصلي، فخفَّفَ ثم سلَّم، وأقبل إليّ، ثم قال: "إن حقًّا عليَّ أو سُنَّة إذا جلس الرجلُ إلى الرجل وهو يصلِّي التَّطَوُّعَ أن يخفِّفَ ويقبلَ إليه".

* وذكر أيضًا٢ عن ابن عباس قال: "ما مِنْ يومٍ إلا وليلَتُهُ قَبْلَهُ إلا يومَ عَرَفَةَ فإن ليْلَتَهُ بعدَهُ".

قلت: هذا مما اختُلف فيه، فحُكِي عن طائفة: أن ليلة اليوم بعده، والمعروف عند الناس أن ليلة اليوم قبله، ومنهم من فصَّل بين اللَّيلة المضافة إلى اليوم، كليْلة الجمعة والسبت والأحد وسائر الأيام، والليلة٣ المضافة إلى مكان أو حال أو فعل، كليْلة عرفة وليلة النَّفْر، ونحو ذلك، فالمضافةُ إلى اليوم قبلَه، والمضافة إلى غيره بعدَه، واحتجُّوا بهذا الأثر المرويِّ عن ابن عباس، ونُقِض عليهم بليلة العيد، والذي فهمه الناس قديمًا وحديثًا من قول النبي ﷺ: "لا تَخُصُّوا يَوْمَ الجُمُعَةِ بصِيَامٍ منْ بَيْنِ الأيَّامِ، وَلا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ بقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي"٤ إنها الليلةُ التي تُسفِرُ صبيَحتُها عن يوم الجمعَة، فإن الناس يُسارعونَ إلى تعظيمها، وكثرة التعبُّد فيها عن سائر اللَّيالي، فنهاهم ﷺ عن تخصيصها بالقيام، كما نهاهم عن تخصيص يومِها بالصيام، والله أعلم.

* قال أبو عبد الله الحاكم في كتابه "الجامع لذكر أئمة الأمصار، المُزَكِّين لرواة الأخبار": سمعت أبا تراب المذكِّرَ يقول: سمعت

  1. (١) في الأصول: "عَمرو" وفي المطبوعات والمجالسة: "عُمر".
  2. (٢) في "المجالسة" (٢/ ٣٧٢ رقم ٥٤٠) مسندًا.
  3. (٣) (ع): "الليالى".
  4. (٤) أخرجه البخاري رقم (١٩٨٥) ومسلم رقم (١١٤٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
1150

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي