قلت: وعلى هذا فلا يقالُ إلا على جماعات متعدِّدَةٍ منهنَّ؛ لأنه جمعُ الجمع، والعامَّةُ تطلقه على الجماعة الواحدة منهنَّ.
فائدة
قول النبي ﷺ: "مَنْ لَعِبَ بالنَّرْدَشِيرِ، فكأنَّما صَبَغَ يَدَهُ في لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ"٢. سرُّ هذا التشبيه -والله ُكل أعلم-: أن اللاعبَ بها لما كان مقصودُه بلعبه أكلَ المال بالباطل الذي هو حرامٌ كحرمة لحم الخنزير، وتوصَّل إليه بالقمار، وظنَّ أنه يُفيدُه حِلَّ المال، كان كالمتوصِّل إلى أكل لحم الخنزير بذكاته، والنبيُّ ﷺ (ظ/١٩٨ أ) شَبَّهَ اللَاّعب بها بغامس يده في لحم الخنزير ودمه، إذ هو مقدِّمَةُ الأكلِ، كما أن اللعب بها مقدمةُ أكل المال، فإن أكَلَ بها المال كان كأَكْل لحم الخنزير. والتشبيه إنما وقع في مقدِّمة هذا بمقدمة هذا، واللهُ أعلم.
فائدة
تفسير النبيِّ ﷺ البقر التي رآها في النوم تُنْحَرُ بالنَّفَر الذي أصيبوا٣ من أصحابه يوم أحد٤.
قيل: وجهُ هذا التأويل أن "البقر والنفر" مشتركان في صورة الخَطِّ،
(١) في "الصحاح": (٦/ ٢٥٠٨).
(٢) أخرجه مسلم رقم (٢٢٦٠) من حديث بريدة بن الحصيب ﵁.
(٣) (ق): "قتلوا".
(٤) أخرجه البخاري رقم (٣٦٢٢)، ومسلم رقم (٢٢٧٢) من حديث أبي موسى ﵁.
ويمتازُ أحدهما عن الآخر بالنَّقْط، وهذه جهةٌ من جهات التعبير. وهذا قولٌ فاسد جدًّا! ولم يكن النَّبِيُّ ﷺ يدركُ شيئًا من الخَطِّ أصلًا، ولا هذه جهةٌ: صحيحةٌ من جهات التأويل، فلا يؤوَّلُ النردُ بالبَرْد، ولا الزَّبَد بالزَّنْد١، ولا العين بالغَبْن، ولا الحَيَّة بالجنة، وأمثال ذلك.
وقيل: وجه الشبة أن البقر معها أسلحتُها التي تقاتل بها وهي قرونُها، وكانتِ العربُ تستعملُ الصَّيَاصِيَ٢ والقُرونَ في الرِّماح عند عدم الأسِنَّةِ. وهذا أقربُ من الأول، ولكنه مشتركٌ بين المسلمين والكفار، فإن كل طائفة معها سلاحُها.
وأجودُ من هذين أن يقال: وجهُ التشبيه أن الأرض لا تُعْمَرُ ولا، تُفْلح إلا بالبقر، فهم عمارَةُ الأرض، وبها صلاحُ العالم وبقاءُ معيشتهم وقوامُ أمرِهم، وهكذا المؤمنون، بِهم صلاحُ الأرض وأهلها وهم زينتُها، وأنفعُ أهل الأرض للناس، كما أن البقر أنفع الدَّوابِّ للأرض، ومن وجه آخَرَ وهو: أن البقر تُثير الأرضَ وتُهَيِّئُها٣ لقبول البَذْر (ق/٢٨٤ أ) وإنباته، وهكذا أهلُ العلم والإيمان يثيرونَ القلوبَ ويُهَيِّئونها لقبول بذر الهدى فيها ونباته وكماله، والله أعلم.
فائدة٤
قول النبي ﷺ: "رَأَى عِيسَى رَجُلًا يَسْرِقُ فَقَالَ: سَرَقْتَ. قال: كَلاّ
(١) "ولا ... " سقطت من (ظ)، و(ق): "ولا الزند بالزبد" والنَّقط غير محرر، ويمكن قراءته على أنحاء شتى.
(٢) هي القرون نفسها.
(٣) (ع): "وترخيها".
(٤) ليست في (ظ)، وانظر "إغاثة اللهفان": (١/ ١٨٣)، و"فتح الباري": (٦/ ٥٦٥).