قول النبي ﷺ: "الأَنْبياءُ أَوْلادُ عَلَاّتٍ"، وفي لفظ: "إخْوَةٌ مِنْ عَلَاّتٍ، أمّهاتُهمْ شَتَّى ودِينُهُمُ وَاحِدٌ"١.
قال الجوهري٢: بنو العَلَاّت: هم أولادُ الرجل من نسوةٍ شتّى، سميتْ بذلك لأن الذي تزوَّجها على أولى كانت قبلها، ثم عَلَّ من الثانية العَلَل، والشُّرْبُ الثاني يقال له: عَلَلٌ بعدَ نَهَل، وعَلَّهُ يَعِلُّهُ: إذا سقاه السَّقْيَة الثانية.
وقال غيره: سمُّوا بذلك لأنهم أولاد ضَرَائِر، والعَلَاّتُ: الضرائر، وهذا الثاني أظهرُ.
وأما وجة التشبيه٣؛ فقال جماعة -منهم القاضي عِياضُ٤ وغيره-: معناه أن الأنبياءَ مختلفونَ في أزمانهم، (ظ/ ١٩٨ ب) وبعضهم بعيدُ الوقت من بعض، فهم أولاد عَلَاّتٍ، إذ لم يجمَعْهم زمانٌ واحد، كما لم (ق/ ٢٨٤ ب) يجمعْ أولادَ العَلاّتِ بطنٌ واحد، وعيسى لما كان قريبَ الزمان من النبي ﷺ ولم يكنْ بينهما نبيٌّ، كانا: كأنهما في زمان واحد، فقال ﷺ: "أنا أوْلى النَّاسِ بعِيسَى ابنِ مَرْيَمَ"، قالوا: كيف يا رسولَ الله؟ فقال: "الأَنْبِياءُ إخْوَةٌ مِنْ عَلاّتٍ" الحديث.
(١) أخرجه البخاري رقم (٣٤٤٢)، ومسلم رقم (٢٣٦٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) "الصحاح": (٥/ ١٧٧٣).
(٣) (ظ): "التسمية".
(٤) في "إكمال المعلم": (٧/ ٣٣٧).
وفيه وجهٌ آخر أحسن من هذا، وهو: أن النبي ﷺ شَبَّه دين الأنبياء الذي اتفقوا عليه من التوحيد، وهو عبادة الله وحده لا شريكَ له، والإيمانُ به وبملائكته وكتبه ورسله ولقائه = بالأب الواحد؛ لاشتراك جميعهم فيه وهو الدينُ الذي شرعه اللهُ لأنبيائه كلِّهم، فقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾[الشورى: ١٣].
وقال البخاريُّ في "صحيحه": باب ما جاء أن دين الأنبياء واحد، وذكر هذا الحديث١، وهذا هو دينُ الإسلام الذي أخبر اللهُ أنه دينُ أنبيائِهِ ورسلِهِ من أولهم نوح إلى خاتَمِهم محمد ﷺ، فهو بمنزلة الأب الواحد.
وأما شرائعُ الأعمال والمأمورات فقد تختلفُ، فهي بمنزلة الأمهَّات الشَّتَّى، فإنّ لقاحَ تلك الأمهات من أبٍ واحد، كما أن مادَّة تلك الشرائع المختلفة من دين واحد متفق عليه، فهذا أولى المعنيين بالحديث، وليس في تباعد أزمنتهم ما يوجبُ أن يُشَبِّهَ زمانَهم بأمهاتهم، ويجعلون مختلفي الأمهات لذلك، وكون الأم بمنزلة الشريعة والأب بمنزلة الدين، وأصالة هذا وتذكيره وفرعيَّه الأم وتأنيثها، واتحاد الأب وتعدد الأم، ما يدلُّ على أنه معنى الحديث، والله أعلم.
فائدة
في قوله تعالى: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ دون: "بَعَثَ بعبده"، و"أرسل به"
(١) لم أجد الترجمة التي ذكرها المصنف في الصحيح، وذكر البخاريُّ هذا الحديث في موضعين متتاليين في باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ ...﴾ "الفتح": (٦/ ٥٤٩ - ٥٥١).