ولا يقال: فقد وَلِيَها عليٌّ وأهل بيته؛ لأن الأمر لما استقر١ أنها ليست بملك موروثٍ، وإنما هي خلافةٌ نبوَّةٍ تُسْتَحَقُّ بالسَّبْق والتَّقَدُّم، كان عليٌّ في وقته هو سابقَ الأمة وأفضَلَها، ولم يكنْ فيهم حين وَلِيَها أولى بها منه، ولا خيرًا منه، فلم يحصلْ لمُبطل بذلك شبهةٌ والحمد لله تعالى.
فائدة
في شراءِ أَرْض مسجدِ المدينة من اليتيمين وجَعْلها مسجدًا من الفقه: دليلٌ على جواز بيع عقار اليَتيم، وإن لم يكنْ محتاجًا إلى بيعه للنَّفقة، إذا كان في البيع مصلحةٌ للمُسلمينَ عامة لبناء مسجد أو سور أو نحوه. ويؤْخَذُ من ذلك أيضًا بيعُه إذا عُوِّضَ عنه بما هو خير له منه.
وفي نَبْش قبور المشركين من الأرض وجعلها مسجدًا دليلٌ على طهارة المقبرة، وأن الصَّلاةَ فيها لم يُنْهَ عنها لنجاستها، وإنما هو صيانةً للتَّوحيد، وسدًّا لذريعة الشِّرْك بالقبور، الذي هو أصل عبادة الأصنام، كما قال ابن عباس وغيره.
فائدة
في استئجار النَّبِيِّ ﷺ عبدَ الله بن أُرَيْقِط الدِّيلي هاديًا في وقت الهجرة٢، وهو كافر، دليل على جواز الرجوع إلى الكافر في الطِّبِّ والكُحْل والأدوية والكتابة والحساب والعيوب ونحوها، ما لم يكنْ ولايةً تتضمَّنُ (ظ/ ٢٠٠ أ) عدالةً، ولا يلزمُ من مجرَّد كونِه كافرًا أن لا يوثَقَ به في شيء أصلًا، فإنه لا شيءَ أخطرُ من الدلالة في الطريق،
(١) (ع): "سبق".
(٢) أخرجه البخاري رقم (٣٩٠٥) من حديث عائشة ﵂.
ولاسِيَّما في مثل طريق الهجرة.
فائدة
في حديث عبد الله بن جحش أن النبي ﷺ كتب له كتابًا وأمره أن لا يقرَأهُ حتى يسيرَ يومين، وأن عبد الله امتثلَ أمرَه ففتح الكتاب بعد اليومين، فقرأه .. الحديث١.
فيه من الفقه: جوازُ الشهادة على الكتاب الذي لا يُدْرَى ما فيه، بل إذا قال: هذا كتابي فاشهدْ عليَّ بما فيه، جازت الشهادةُ، وهي مسألةُ خلاف مشهورة، وتسمى: "شهادة التقليد"، ويدلُّ عليها أيضًا: أن النبي ﷺ كان يبعث كتبه إلى الملوك والنَّواحي ولا يقرؤها على من يبعثُها معه، بل يقول: "هذا كِتَابِي فَأَوْصِلْهُ إلى فُلانٍ"، وكذلك عمل به خلفاؤُه من بعده.
وفيه: جوازُ تراخي القبولِ عن الإيجاب، فإنَّ في الكتاب: "أن اقرأه ولا تُكْرِهْ أحدًا، فمن أجابك فامضِ به حتى تنزلَ نَخْلَةَ".
وفيه مسألةٌ بديعة (ق/٢٨٧ أ) وهي: جواز العقد والتَّوْليَة على أمرٍ مجهولٍ حالَ العقد، يتبيَّنُ في ثاني الحال.
فائدة
قول النبي ﷺ لما أنشدته قُتَيْلَةُ بنتُ الحارث شِعْرَها المعروفَ، ترثي به أخاها النَّضْر: "لو سَمِعْتُ هذا قَبْلَ قَتْلِهِ لمْ أَقْتُلْة"٢، ليس
(١) أخرجه ابن جرير: (٢/ ٣٦٠)، والبيهقي: (٩/ ٥٨ - ٥٩) وغيرهم عن عروة مرسلًا، وله شواهد.
(٢) أخرجه الزبير بن بكار -كما في "الإصابة": (٤/ ٣٨٩ - ٣٩٠) -، وابن عبد البر =