إلَّا أبْخَرَ أو أَهْتَمَ١ يعرفُ ذلك فيهم وهو مِنْ شؤم الآباء على الأبناء.
واخْتُلِف فيما وقع للنبي ﷺ من هذا ونحوه، فقيل: هو قبلَ نزول قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾[المائدة: ٦٧]، وقيل: العصمةُ الموعودُ بها عصمةُ النفس من القتل لا عصمته من أذاهم بالكُلِّيَّة، بل أبقى الله تعالى لرسوله ثوابَ ذلك الأذى، ولأُمته حُسْن التَّأَسِّي به، إدْا أودي أحدُهم نظرَ إْلى ما٢ جرى عليه ﷺ فتأسَّى وصَبَرَ، وللمُؤْذِينَ الأشقياءِ الأَخْذةُ الرَّابِيَةُ.
فائدة
قيل: إنما فَدَّى: النبي ﷺ سعدًا بأبويه٣ لما ماتا عليه، وأما الأَبوان المسلمان فلا يجوز أن يُفَدَّى بهما، وهذا لا يحتاجُ إليه، فإنَّ التفديةَ نُقِلت بالعُرْف العام عن وضعها الأول، وصارت علامةً على الرضى والمحبة، وكأنه قال: افْعَلْ كدْا مغبوطًا مرضيًّا عنك.
فائدة
في حديث أبي لُبَابَةَ لما بلغ النبي ﷺ ارتباطه قال: "لَوْ أَتَانِي لاسْتَغْفَرْتُ لَهُ، وَإِذ فَعَلَ فَلَسْتُ أُطْلِقُهُ، حَتَّى يُطْلِقَهُ اللهُ"، فأنزل الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾[التوبة: ١٠٢] فأطلقه النبي ﷺ حينئذٍ٤. وفي هذا ما يدُلُّ
(١) البَخَر هو: نَتَن الفم، والهَتَم: سقوط الأسنان من مقدم الفم.
(٢) (ظ): "ذكر ما ... ".
(٣) أخرجه البخاري رقم (٢٩٠٥) ومسلم رقم (٢٤١١) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
(٤) أخرجه ابن جرير: (٦/ ٤٦٠)، وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي =
على صحَّة قول المفسرين: إنَّ (عسى) من الله واجب١، وفيه: أنَّ فاطمةَ جاءت تحلُّه فقال: لا إلَّا رسول الله ﷺ، فقال: "فَاطِمَةُ بُضْعَةٌ مِنِّي"٢.
فإن قيل: فهل يَبَرُّ الحالفُ بمثل هذا لو اتَّفَقَ اليوم؟.
قيل: لا، إما أنَّه مختصٌّ بالنبي ﷺ، وإما لأن فاطمةَ بضعةٌ منه قطعًا، واللهُ أعلمُ.
فائدة
اختلف الناسُ (ق / ٢٨٨ أ) في جواز إطلاق "السَّيِّد" على البَشَر، فمنعه قومٌ، ونُقِل عن مالك، واحتجُّوا بأنه ﷺ٣ لما قيل له: يا سَيِّدَنا، قال: "إنَّمَا السَّيِّد اللهُ"٤، وجوَّزه قوم، واحتجُّوا بقول النبي ﷺ للأنصار: "قومُوا إلى سَيِّدكُمْ"٥، وهذا أصحُّ من الحديث الأول.
= في "الدلائل": (٤/ ١٥ - ١٦) من حديث ابن عباسٍ في قصة تخلف أبي لبابة ونفرٍ معه عن غزوة تبوك. وذكر هذه القصة آخرون في شأن أبي لبابة مع بني قُريظَة أخرجه البيهقي في "الدلائل"؛ (٤/ ١٦ - ١٧) من مرسل سعيد بنُ المسيب، وأخرجه غير واحد عن مجاهد كما في "الدر المنثور": (٣/ ٤٨٨).
(١) جاء هذا عن ابن عبَّاس والحسن، انظر "الدر المنثور" ت (٣/ ٤٨٨، ٤٩٠).
(٢) لم أجد هذه الزِّيادة في شئٍ من ألفاظ حديث أبي لبابة السالف، وهذه اللفظة أخرجها البخاري رقم (٣٧١٤)، ومسلم رقم (٣٤٤٩) من حديث المِسْوَر بنُ مخرمة ﵁.
(٣) (ق): "بقول النبي ﷺ ".
(٤) أخرجه أحمد: (٢٦/ ٢٣٥ رقم ١٦٣٠٧)، وأَبو داود رقم (٤٨٠٦)، والنسائي في "الكبرى" رقم (١٠٠٧٦) وغيرهم من حديث عبدِ الله بنُ الشخير ﵁ وسنده صحيح.
(٥) أخرجه البخاري رقم (٤١٢١)، ومسلم رقم (١٧٦٨)، من حديث أَبى سعيد الخدري ﵁.