بدائع الفوائد

وقال رسول الله ﷺ: "لي خَمُسَةُ أَسْمَاءٍ"١ ولا يصح أن يقال: لي خمس مسميات، و"تَسَمّوا باسْمي٢ ولا يصح أن يقال: تسموا بمسمياتي، و"للهِ تسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا"٣ ولا يصح أن يقال: تسعة. وتسعون مسمًّي.

وإذا ظهر الفرق بين الاسم والمسمَّى، فبقي هاهنا "التسمية"، وهي التي اعتبرها من قال باتحاد الاسم والمسمى، و"التسمية ": عبارة عن فعل المسمِّي، ووضعه الاسم للمسمَّى، كما أنَّ "التحلية" عبارة عن فعلي المحَلِّي، ووضعه الحلية على المحلَّى، فهنا ثلاث حقائق: اسم ومسمى وتسمية، كحِلْية ومحلَّي وتحلية، وعلامة ومُعلِّم وتعليم، ولا سبيل إلى جعل لفظين منها مترادفين علي معنًي واحد؛ لتباين حقائقها، وإذا جعلت الاسم هو المسمى بطل واحد من هذه الحقائق الثلاثة ولابُد.

فإن قيل: فحُلُّوا لنا شُبَه من قال باتحادهما ليتم الدليل، فإنكم أقمتم الدليل؛ فعليكم الجواب عن المعارِض.

فمنها: أن الله وحده هو الخالق، وما سواه مخلوق، فلو كانت أسماؤه غيره لكانت مخلوقة، وللزم أن لا يكون له اسم في الأزل ولا صفة، لأنَّ أسماءه صفات، وهذا هو السؤال الأعظم الَّذي

  1. (١) أخرجه البخاري رقم (٣٥٣٢)، ومسلم رقم (٢٣٥٤) من حديث جُبير بن مُطعم ﵁.
  2. (٢) أخرجه البخاري رقم: (١١١٠)، ومسلم رقم (٢١٣٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
  3. (٣) أخرجه البخاري رقم (٣٧٣٦)، ومسلم رقم (٢٦٧٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
30

قاد متكلِّمي الإثبات إلى أن يقولوا: الاسم هو المسمَّى، فما عندكم في دفعه؟.

والجواب١: أن منشأ الغلط في هذا الباب من إطلاق ألفاظ مجملة، محتملة لمعنيين حق٢ وباطل، فلا ينفصل النزاع إلا بتفصيل تلك المعاني، وتنزيل ألفاظها عليها، ولا ريبَ أن الله ﵎ لم يزل ولا يزال موصوفًا بصفات الكمال المشتقة أسماؤه منها. فلم يزل بأسمائه وصفاته وهو إله واحد له الأسماء الحسنى والصفات العُلى، وأسماؤه وصفاته داخلة في مسمَّى اسمه، وإن كان لا يُطلق على الصفة أنها الله يخلق ويرزق، فليست صفاته وأسماؤه غيره، وليست هي نفس الإله.

وبَلاءُ القومِ من لفظة "الغير"، فإنها يُراد بها معنيان:

أحدهما: المغاير لتلك الذات المسماة "بالله"، وكل ما غاير "الله" مغايرةً مَحْضَة بهذا الاعتبار، فلا يكون إلا مخلوقًا.

ويُراد به: مغايرة الصِّفة للذات، إذا جُرِّدَت٣ عنها. فإذا قيل: عِلْمُ الله وكلامُ الله غيرُه، بمعنى: أنَّه غير الذات المجردة عن العلم والكلام؛ كان المعنى صحيحًا، ولكن الإطلاق باطل، وإذا أُريد أن العلم والكلام مُغاير لحقيقته المختصَّة التي امتاز بها عن غيره؛ كان باطلًا لفظ ومعنًي.

  1. (١) انظر: "نتائج الفكر": (ص / ٤٢) بتصرف؛ إذ صفّي كلام السهيلي من عبارات الأشاعرة.
  2. (٢) (ظ): "صحيح"، وسقطت من (د).
  3. (٣) (ظ ود): "خرجت".
31

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي