* كان الإسلامُ في بدايته كالنطفة فاقتنع بلفظة التوحيد، فلما نُفخ فيه الروح احتاج إلى الغذاء ففُرضت الصلاة، فلما تحرَّكْ وجبت الهجرة، فلما اشتد وجبتِ الزكاةُ، فلما قَربت الولادة لزم الحجُّ، فلما ظهر طفلًا حبِي بلطف ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ فلما خاف من الزلل والعقاب جاءت بشارة ﴿لَا تَقْنَطُوا﴾ فلما ترعرع قال المؤدب: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فلما بلغ أشده واستوى جاء: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾.
* في المتعبدون بالليل يقربون٢ إلى نوق الأبدان حَبَطَ الرُّقاد، فإذا تناولت سدَّ الفاقَةِ رفعتْ رؤوسَها، فإذا الدليلُ على الجادَّة، فتأخذ في السير.
من النجوم الجواري مؤذن ومنها مقيم، فأربابُ العزائم يُؤَذَّن في محلَّتهم بليل، ويقام لهم أول الوقت، ومَنْ دونهم يصَلّون في أول الوقت، وأهل الفتور في آخره.
إذا هجمت جنودُ الرُّقاد على العيون صاح حارس اليقظة بالمتعبدين: "الصَّلاة خيرٌ من النوم"، وهتف رقيب المعاتبة: "كذب من ادَّعى
(١) "المدهش": (ص/ ٣٩٧).
(٢) (ع): "يقومون".
محبتي، حتى إذا جَنَّه الليلُ نام عني" فيصيح المشتاقُ:
سلوا الليلَ عني مُذْ تنَاءَتْ دِيَارُكُمْهل اكْتَحَلَتْ بالغُمْض لي فيه أجفانُ
ثم تمر بالمتهجدين سيارة النجومِ، فيبعثون مع كل فَيْج١ رسالة فتسلم أخبارَه الجوابَ٢ إلى ركب السحر، فتهب لمجيئها رياحُ الأسحار، فيقول المنتظر: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾.
* سبحان من أنعم على الموجودات بإيجادها من غير طَلَب، فلما وُجِدَتْ بَسَطَتْ أكفَّ السُّؤالِ لطلب تكميلها، فالأجنةُ في بطون الأمهات تطلب تكميل الخلق، والبذر تحت التراب يطلب قوتَهُ من الريِّ، ومخُّ الثمار ينتظر من فضله كمالَ نُضْجهِ، ومراكب البحار ترجو تحريكَها بالرياح، وأصحابُ البضائع ينتَظرون وفودَ الأرباحِ عليهم، وطلابُ العلم يسألون فتح متعلقِ الفهم، وأهل المجاهدة يرومون المعاونةَ على الطيع٣، والمظلوم يترقَّبُ طلوعَ فجر النصر، والمريض يتململُ بين يديه طلبًا للطْفِهِ، والمكروبُ ينتظرُ كشفَ ما به، والخائفُ يترقب بريدَ الأمن، والأبدان المتمزِّقة في اللحود تنتظرُ جمع الشَّمل بعد الشَّتَات، وعرائس الجنان يسألنَ سلامةَ بعولتهن وتعجيلَ اللقاء.
فإذا قام الخلق من أطباق التراب بإنعاش البعثِ نكَّسَ صاحبُ الزلَلِ رأسَ الندم طلبًا للعفو، ومدَّ العابدُ يدَ التقاضي بالمسلَم فيه عند حلول الأجل، وحَدَّقَ الزاهد إلى جزاء الصبر، وأشرفَ المحِبُّ على