بدائع الفوائد

أتُرَاهم نسوا طيَّ الليالي لمن تقدمهم ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ فما هذا الاغترار؛ وقد ﴿خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾، ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من لهم إذا طلبوا العودةَ فـ ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾.

سبحان الله كم بكت دى تنعُّم الظَّالم عينُ أرملة، واحترقت كبِدُ يتيم، وجَرَتْ دمعة مسكين ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ ٤٦﴾ [المرسلات: ٤٦] ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ٨٨﴾ [ص: ٨٨] ما ابيض لون رغيفهم حتى اسودَّ لون ضعيفهم، وما سمنت أجسامهم حتى انتحلت أجسام من استأثروا عليه.

لا تحتقرْ دعاءَ المظلوم فشررُ قلبهِ محمولٌ بعجيج صوته إلى سقف بيتِكَ، (في / ٢٥٩ أ) ويْحَك نِبالْ أدعيتهَ مُصِيبة وإن تأخَّرَ الوقتُ، قوسُهُ قلبُهُ المقروحُ، ووَتَرهُ سوادُ اللَّيل، وأستاذُه صاحب: "لأنصرنك ولو بعد حين"، "وقد رأيت ولكن لستَ تعتبِرُ"١.

احذر عداوة منِ ينام وطرفه باك، يقلِّب وجهه نحو السماء، يرمي سهاما ما لها غرض سوى الأحشاءِ منك، فربَّما ولعلَّما، إذا كانت راحةُ اللذة تُثمر ألمَ العقوبة لم يحسُنْ تنَاولها.

ما تساوي لَذَّةُ سنة غَمَّ ساعة فكيف والأمر بالعكس!.

كم في يمِّ الغرورِ من تمساحٍ فاحذر يا غائص، ستعلم أيّها الغريمُ قِصَّتَكَ عند تعلّقِ الغرماء بك.

إذا التقى كلُّ ذي دَيْن ومَاطِلُهُ .... ستعلم ليلى أيَّ ديْن تَدَيَّنتْ

  1. (١) في "المدهش": "قوسه حرقه، ووتره قلقه، ومرماته هدف (لأنصرنك)، وسهم سهمه الإصابة "وقد رأيت وفي الأيام تجريب".
1232

من لم يَتبع بمنقاش العدل شَوْكَ الظلم من أيدي التَّصرف، أثَّرَ ما لا يُؤمَنُ تَعَدَيهِ إلى القلب، يا أربابَ الدّوَل لا تعَرْبِدوا في سُكْر القُدْرة، فصاحبُ الشرطةِ بالمَرصاد.

سليمان الحكم قد حبس آصِفَ العقوبة في حصن: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ٨٤﴾ [مريم: ٨٤]، وأجرى رَحَى الرخا: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ﴾ [النساء: ١٦٥]، فلو هبت سموم الجزاء من مَهَبِّ: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ﴾ [الأنبِاء: ٤٦]، قلعت سكر: ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٨]، (ق/ ٢٩٩ أ) فإذا طوفَانُ التَّلَفِ ينادي فيهم: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤٣]. فالحذر ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] [الزمر: ٥٦).

وأنت أيها المظلوم فتذكر من أين أتيتَ؟ فإنك لا تلقى كَدَرًا إلاّ من طريق جناية١: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠].

كان لبَّانٌ يشُوب الماءَ باللَّبن، فجاء سيلٌ فذهب بالغنم، فجعل يبكي٢، فهتف به هاتف: اجتمعت تلك القَطَرَاتُ فصارت سيلًا، ولسانُ الجواءِ يناديه: "يداكَ أوْكَتا وفوكَ نَفَخَ".

اذكر غفلتك عن الآمر والأمرُ وقت الكسب، ولا تنسَ اطِّراح التقوى عند معاملة الخلق، فإذا انْقَضَّ عاصِفٌ فسمعتَ صوت سوطِهِ يضرب عقد الكسب جزاء لخيانَةِ العقودَ، فلا تستعظمْ ذاك فأنتَ الجاني، والبادءُ أظَلمُ٣.

  1. (١) (ق): "خيانة".
  2. (٢) "فجعل يبكي" ليست في (ع).
  3. (٣) هنا انتهى الانتقاء والنقل من كتاب "المدهش" لابن الجوزي.
1233

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي