بدائع الفوائد

بخروج معه لبس، ويكون المعنى: "إن خرجت لا لابسة أو غير لابسةٍ" فإنْ خرجت لابِسةً لم يَحْنَثْ.

الخامسة: "إن خَرَجتِ بل إن لَبسْتِ"، فلا يحنثُ إلا باللُّبس دون الخروج، ويحتمل هذا التعليق أيضًا أمرين:

أحدهما: هذا.

والثاني: أن يكون كلّ منهما شرطًا فيحنث بأيِّهما وجد، ويكوِن الإضراب إضرابَ اقتصار لا إضرابَ إلغاء، فكأنه يقول: لا أقتصرُ على جعل الأوَّل وحده شرطًا، بل أيّهما وُجد فهو شرطٌ، فعلى التقدير الأوَّل: يكون إضرابَ إلغاءِ ورجوع. وعلى الثاني: إضراب اقتصار وإفراد.

السادسة: "إن خرجتِ أو إن لَبِسْت" يحنث بأيهما وُجِد.

السابعة: "إن ليسْت لكنْ إن خرَجْتِ" فالشرطُ الثاني، وقد لغا الأول بـ (لكن)؛ لأنهَا للاستدراك.

الثامنة: -وهي أشكلها- "إن لَبسْتِ إنْ خَرَجْتِ" وهذه مسألةُ دخول الشرط على الشرط، ويحتمل التعليق في ذلك أمرين:

أحدهما: أن يُجعلَ كلُّ واحدٍ منهما شرطًا مستقلًا، فيكون كالمعطوف بالواو سواء ولا إشكال.

والثاني: أن يجعلَ أحدهم شرطًا في الآخر.

فاختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة١؛ فقال أصحاب مالك: هو تعليق للتعلق، ففي هذا الكلام تعليقان:

  1. (١) انظر "الفروق": (١/ ٨١ - ٨٢) والمؤلف من هنا ينقل منه مع بعض التصرف.
1238

أحدهما: "إن لَبست فأنتِ طالِقٌ" ثم علق هذه الجملة المعلقة بالخروج، فكأنه قال: شرطُ نفوذ هذا التعليق الخروج، فعلى هذا لا يحنَثُ حتى يوجدَ الخروجُ بعد اللبْس، وممن نصَّ عليها ابن شاس في "الجواهر"١.

وقال أبو إسحاق في "المهذب"٢ وقد صور المسألة: "إن كَلَّمْتِ زيْدًا، إن دَخَلْتِ الدَّارَ فأنْتِ طالِقٌ"؛ إنْ دَخَلَتِ الدارَ ثمَ كلمَتْ زيدًا طلقَتْ، وإن كلمَتْ زيدًا (ظ/ ٢١٥ أ) أولًا، ثم دخلتِ الدارَ لم تطلقْ؛ لأنه جعل دخولَ الدار شرطًا في كلام زيد، فوجبَ تقديمه عليه، وهذا٣ عكس قول المالكية، ورجَّحَ أبو المعالى قولَ المالكية في "نهايته"٤.

وقد وقع هذا التعليق في كتاب الله ﷿ في مواضع:

أحدها: قوله حكايةً عن نوح: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]، وهذا ظاهر في أن الشَّرْطَ الثانى شرط في الشرط الأول، والمعنى: إن أراد الله أن يُغْوِيَكمْ لم يَنْفَعْكمْ نصحي إن أردته، وهذا يشهد لصحة ما قال الشيخ أبو إسحاق.

الموضع الثاني: قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، قالوا: فهذه الآية ظاهرة في قول المالكية، لأن إرادة رسول الله ﷺ متأخرة عن هِبَتِهَا، فإنها تجري مجرى القبول في هذا العقد، والإيجاب هو هبتها.

  1. (١) (٢/ ٢٠٧).
  2. (٢) (١٠/ ٢١٥ - مع شرحه للعمراني).
  3. (٣) (ع): "هكذا".
  4. (٤) هو كتابه الكبير: "نهاية المَطْلب في دراية المَذْهب"، لم يطبع بعد.
1239

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي