حمل المطلق على المقيد في الكلِّي شيءٌ، وحمل المطلق على المقيد في الكلية شيء آخر.
فالأول: كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾[النساء: ٩٢] وقيدها بالإيمان في مكان آخر، فهذا إذا حُمل المطلقُ على المقيَّد فيه، لم يكن متضمِّنًا لمخالفة أحدهما، بل هو عمل بهما وتوفيَة بمقتضاهما، ولو (ق/ ٣٠١ أ)، عُمِل بالمطلق دود المقيد لخالف ولابد.
وأما الثاني: فكما إذا كان الإطلاقُ في العام كقوله: "في كلِّ أرْبَعِينَ شَاةً شاةٌ"٢، فإذا قيل: "في الغَنَم السائمةِ في كل أربعينَ شاةً شاةٌ٣ فليس هذا من باب حَمل المطلق على المقيد، فإن اللفظ عام متناول لجميع أفراده، فحَمْله على التخصيص إخراج لبعض مدلوله، والفرق بين إخراج بعض مدلول اللفظ وبين تقييدٍ سُلِبَ عنه اللَّفظُ؛ الأوَّل: رافعٌ لموجب الخطاب.
والثاني: رافع لموجب الاستصحاب، وإنما يرجعُ هذا إلى أصل آخرَ، وهو تخصيصُ العموم بالمفهوم، فتَأمَّلْه.
فائدة٤
وعلى هذا فلا ينبغي أن يقال: يُحْمَل المطلق على المقيَّد مطلقًا، بل يفرق بين الأمر والنهي، فإن المطلقَ إذا كان في الأمر لم يكن
(١) "الفروق": (١/ ١٩٠ - ١٩١).
(٢) أخرجه أحمد: (٣٣/ ٢٢٠ رقم ٢٠٠١٦)، وأبو داود رقم (١٥٧٥)، والنسائي: (٥/ ٢٥) من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده. وسنده حسن.
(٣) أخرجه البخاري رقم (١٤٥٤).
(٤) "الفروق": (١/ ١٩١ - ١٩٢).
عامًّا، فحَمْله على المقيد لا يكون مخالفة لظاهره ولا تخصيصًا.
وإذا كان الإطلاقُ في النهي، فإنه يعم ضرورة عموم النكرة في سياق النهي، فإذا حُمل عليه١ مقيَّد آخرُ كان تخصيصًا.
ومثاله قوله ﷺ: "لا يمْسِكَنَّ أحَدكم ذَكرَه بيَمِينِه"٢ فهذا عامّ في الإمساك وقتَ البول ووَقت الجِماع، وغيرهما، وقال: "لا يمْسِكَن أحدكم ذَكره بيَمِينِهِ وهو يَبوُل"٣ فهذا مقيد بحالة البول، فحَمْل الأول عليه تخصيص محض.
فائدة٤
حملُ المطلق على المقيَّد مشروط بأن لا يقيدَ بقيدَيْنِ متنافيين، فإن قيِّدَ بقيدينِ متنافيينِ أمتنع الحمل وبقي على إطلاقه، وعلم أن القيدينِ تمثيل لا تقييدٌ، مثاله قوله ﷺ في ولوغ الكلب: "فَلْيَغْسِلْهُ سَبعَ مَرَّات إحْدَاهن بالتراب"٥ مطلق، وفي لفظ: "أولاهنّ"٦ وهذا مقيد بالأول.
َ وفي لفظ "أخْرَاهُن"٧ وهذا مقيد بالآخرة، فلا يحمل على
(١) (ع وظ): "على".
(٢) أخرجه البخاري رقم (١٥٤)، ومسلم رقم (٢٦٧) من حديث أبي قتادة الأنصاري ﵁.
(٣) لحديث السالف، وهذا لفظ مسلم.
(٤) "الفروق": (١/ ١٩٢).
(٥) أخرجه البخاري رقم (١٧٢)، ومسلم رقم (٢٧٩) من حديث أبي هريرة ﵁.