عامًّا، فحَمْله على المقيد لا يكون مخالفة لظاهره ولا تخصيصًا.
وإذا كان الإطلاقُ في النهي، فإنه يعم ضرورة عموم النكرة في سياق النهي، فإذا حُمل عليه١ مقيَّد آخرُ كان تخصيصًا.
ومثاله قوله ﷺ: "لا يمْسِكَنَّ أحَدكم ذَكرَه بيَمِينِه"٢ فهذا عامّ في الإمساك وقتَ البول ووَقت الجِماع، وغيرهما، وقال: "لا يمْسِكَن أحدكم ذَكره بيَمِينِهِ وهو يَبوُل"٣ فهذا مقيد بحالة البول، فحَمْل الأول عليه تخصيص محض.
فائدة٤
حملُ المطلق على المقيَّد مشروط بأن لا يقيدَ بقيدَيْنِ متنافيين، فإن قيِّدَ بقيدينِ متنافيينِ أمتنع الحمل وبقي على إطلاقه، وعلم أن القيدينِ تمثيل لا تقييدٌ، مثاله قوله ﷺ في ولوغ الكلب: "فَلْيَغْسِلْهُ سَبعَ مَرَّات إحْدَاهن بالتراب"٥ مطلق، وفي لفظ: "أولاهنّ"٦ وهذا مقيد بالأول.
َ وفي لفظ "أخْرَاهُن"٧ وهذا مقيد بالآخرة، فلا يحمل على
(١) (ع وظ): "على".
(٢) أخرجه البخاري رقم (١٥٤)، ومسلم رقم (٢٦٧) من حديث أبي قتادة الأنصاري ﵁.
(٣) لحديث السالف، وهذا لفظ مسلم.
(٤) "الفروق": (١/ ١٩٢).
(٥) أخرجه البخاري رقم (١٧٢)، ومسلم رقم (٢٧٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٦) هذا اللفظ في مسلم.
(٧) أخرجه الترمذي رقم (٩١)، والبيهقي: (١/ ٢٤١).
أحدهما، بل يبقى على إطلاقه١.
فائدة
إنما يحمل المطلق على المقيد إذا لم يستلزمْ حملُه تأخيرَ البيان عن وقت الحاجةِ، فإن استلزمَهُ حُمل على إطلاقه، وله مثالان:
أحدهما: قوله ﷺ بعرفات: "مَنْ لم يَجِدْ نعْلَيْنِ، فَلْيلْبس خُفَّيْنِ"٢ ولم يشترط قطعًا، وقال بالمدينة على المِنبَر لمَنْ سأله ما يَلبسُ المحرم؛: "مَنْ لم يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيلْبس خفَّيْنِ٣، ولْيقْطَعْهمَا أسفَلَ مِنْ كعْبَيهِ"٤.
فهذا مقيَّد ولا يحمَلُ عليه ذلك المطلقُ؛ لأن الحاضرين معه بعرفات من أهل اليمن ومكة والبوادي، لم يشهدوا خُطبته بالمدينة، فلو كان القطع شرطًا لبيَّنَه لهم، لعدم علمهم به، ولا يمكن اكتفاؤهم بما تقدَّم من خطبته بالمدينة.
ومن هنا قال أحمد ومَن تَابَعَهُ: إن القطع منسوخٌ بإطلاقِهِ بعرفات اللُّبْس، ولم يأمر بقطع في أعظم أوقات الحاجة.
المثال الثاني: قول لمن سألته عن دم الحيض: "حُتِّيهِ ثم اغْسِلِيهِ"٥
(١) انظر "فتح الباري": (١/ ٣٣١ - ٣٣٣).
(٢) أخرجه البخاري رقم (١٨٤١)، ومسلم رقم (١١٧٨) من حديث ابن عباس ﵁.
(٣) من قوله: "ولم يشترط ... " إلى هنا ساقط من (ق).
(٤) أخرجه البخاري رقم (٣٠٧)، ومسلم رقم (١١٧٧) من حديث ابن عمر ﵁.
(٥) أخرجه البخاري رقم (٣٠٧)، ومسلم رقم (٢٩١) من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄، وروي من حديث جماعة من الصحابة.