إنما يحمل المطلق على المقيد إذا لم يستلزمْ حملُه تأخيرَ البيان عن وقت الحاجةِ، فإن استلزمَهُ حُمل على إطلاقه، وله مثالان:
أحدهما: قوله ﷺ بعرفات: "مَنْ لم يَجِدْ نعْلَيْنِ، فَلْيلْبس خُفَّيْنِ"٢ ولم يشترط قطعًا، وقال بالمدينة على المِنبَر لمَنْ سأله ما يَلبسُ المحرم؛: "مَنْ لم يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيلْبس خفَّيْنِ٣، ولْيقْطَعْهمَا أسفَلَ مِنْ كعْبَيهِ"٤.
فهذا مقيَّد ولا يحمَلُ عليه ذلك المطلقُ؛ لأن الحاضرين معه بعرفات من أهل اليمن ومكة والبوادي، لم يشهدوا خُطبته بالمدينة، فلو كان القطع شرطًا لبيَّنَه لهم، لعدم علمهم به، ولا يمكن اكتفاؤهم بما تقدَّم من خطبته بالمدينة.
ومن هنا قال أحمد ومَن تَابَعَهُ: إن القطع منسوخٌ بإطلاقِهِ بعرفات اللُّبْس، ولم يأمر بقطع في أعظم أوقات الحاجة.
المثال الثاني: قول لمن سألته عن دم الحيض: "حُتِّيهِ ثم اغْسِلِيهِ"٥
(١) انظر "فتح الباري": (١/ ٣٣١ - ٣٣٣).
(٢) أخرجه البخاري رقم (١٨٤١)، ومسلم رقم (١١٧٨) من حديث ابن عباس ﵁.
(٣) من قوله: "ولم يشترط ... " إلى هنا ساقط من (ق).
(٤) أخرجه البخاري رقم (٣٠٧)، ومسلم رقم (١١٧٧) من حديث ابن عمر ﵁.
(٥) أخرجه البخاري رقم (٣٠٧)، ومسلم رقم (٢٩١) من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄، وروي من حديث جماعة من الصحابة.
ولم يشترط عددًا مع أنه وقت حاجة، فلو كان العددُ شرطًا لبيَّنَه لها، ولم يُحِلْها على غَسْل ولوغ الكلب، فإنها ربَّما لم تسمعه، ولعله لم يكنْ شُرعَ الأمر بغسل ولوغه.
فائدة١
نهى رسولُ الله ﷺ (ق/٣٠١ ب) عن بيع الطَّعام قبل قبْضِهِ٢، ونهى عن بيع ما لم يُقْبَض في حديث حكيم بن حزامِ وزيد بن ثابَت٣. فقال أصحابُ مالك: النهيُ مخصوصٌ بالطَّعام دون غيره؛ فمنهم من قال: هو من باب حَمْل المطلَق على المقيَّد، وهو فاسد كما تقدم، فإنه عام وخاص، ولفظه: "إذا اشْتَرَيْتَ شيئًا، فلا تَبِعْه حتى تَقْبِضَهُ".
ومنهم من قال: خاصٌّ وعامّ تعارضا، فقدَّم الخاصَّ وهو أفسدُ من الأول، إذ لا تعارض بين ذِكْر الشيءِ بحكيم، وذكرِ بعضه به بعينه.
ومنهم (ظ / ٢١١ أ) من قال: هو من باب تخصيص العموم بالمفهوم، وهذا المأْخَذ أقرب، لكنه ضعيف هنا؛ لأنَّ الطعام هنا وإن كان مشتقًا فاللَّقبيَّةُ أغلبُ عليه، حيث لم يَلحْ معنى يقتضي اختصاصَ النهي به دونَ الشراب واللباس والأمتعة، فالصواب التعميم٤.
(١) نظر "الفروق": (١/ ١٩٣).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٢١٣٢)، ومسلم رقم (١٥٢٥) من حديث ابن عباسٍ، وأخرجاه -أيضًا- من حديث ابن عمر ﵃.
(٣) حديث حكيم بن حزام أخرجه أبو داود رقم (٣٥٠٣)، والترمذي رقم (١٢٣٢)، والنسائي: (٧/ ٢٨٩) وغيرهم. وحديث زيد بن ثابت أخرجه أبو داود رقم (٣٤٩٩).
(٤) وهذا الأخير تعليل المصنف، ردَّ به على القرافى في جعل المسألة من باب تخصيص العموم بالمفهوم.