بدائع الفوائد

للكفر، والتَّوْبة المبطلة لآثار الذنوب، وقريب منه: المنُّ والأذى المُبْطِل للصدقة، وفي الرِّياء اللاحق بعد العمل خلاف، فهذه الأسباب جعلها الشارعُ مبطِلات لآثار الأعمال، وأما الرفض١ فلا دليل في الشرع يدلُّ على أنه مبطِل، ولا يمكن طرده، وليس له أصل يُقاس عليه، بل قد يقترن بالعمل أمورٌ تمنعُ صحَّتَه وتَرَتُّبَ أَثرِهُ عليه، كالرياء والسُّمعة وغيرهما، وليس هذا إبطالًا لما صَحَّ، وإنما هو مانعٌ من الصِّحَّة.

فائدة٢

الأسبابُ الفعلية أقوى من الأسباب القولية، ولهذا تصِحُّ الفعليّة من المحجور عليه دون القولية، فلو استَولَدَ ثبَتَ استيلادُه، ولو أَعْتق كان لَغْوًا، ولو تَمَلَّكَ مالًا بالشِّراء كان لغوا٣، ولو تملَّكه باصطياد أو احتطاب ونحوِهِ مَلَكَهُ، وكذلك لو أحياه مَلَكه بالإحياء.

ثم قيل: الفرق بينهما احتياجُه إلى الفعل دود القول، فإنا لو منعناه من وطء أَمَتِه أضرَرْنا بها٤، ولا حاجةَ به إلى عِتْقها٥.

وهذا عْير طائل، فإنه قد يحتاجُ إلى القول -أيضًا- كالشِّراء والنكاح والإقرار؛ ولكن الفرق: أن أقوالَه يمكن إلغاؤُها، فإنها مجرَّدْ كلام لا يترتَبُ عليه شيء، وأما الأفعال فإذا وقعتْ لا يمكن إلغاؤها، فلا يمكن أن يقال: إنه لم يسرق ولم يقتلْ ولم يستولدْ ولم يُتلِفْ،

  1. (١) (ع): "الفرض".
  2. (٢) "الفروق": (١/ ٢٠٣: ٢٠٥).
  3. (٣) "ولو تملك مالًا بالشراء كان لغوًا" سقطت من (ع).
  4. (٤) سياق الكلام في "الفروق" يدل على وقوع الضرر بالمحجور عليه، وليس بالأمة.
  5. (٥) يعني: من جهة الطبع. وما سيأتي من الرد هو من كلام المصنف.
1252

وقد وُجدتْ منه هذه الأفعال، فجرى مجرى المكْرَه في إلغاء أقواله، ومجرىَ المأذون له في صحَّة أفعاله، والله أعلم.

قاعدة

الحائض إذا انقطع دمُها فهي كالجُنُب فيما يجبُ عليها ويحرُمُ، فيصِحُّ صومُها وغسْلها، وتجبُ عليها الصَّلاةُ، ولها أن تتوضأَ وتجلسَ في المسجد، ويجوزُ طَلاقها على أحد القولين، إلا في مسألة واحدة فإنها تخالفُ الجُنُبَ فيها وهي: جواز وطئها، فإنه يتوقَّفُ على الاغتسال، والفرق بينها وبين الجنب في ذلك: أن حَدَث الحَيْض أوجب تحريمَ الوطء، وحدثه لا يزول إلا بالغُسْل، بخلاف حدث الجَنَابة فإنه لا يوجِب تحريم الوطء، ولا يمكنُ ذلك فيه أَلْبتة.

واستثنى بعض الفقهاء مسألة أخرى وهي: نقضُ الشعر للغسْل، فإنه يجبُ على الحائِض في أحد القولين دون الجُنب، ولا حاجةَ إلى هذا الاستثناء، فتأملْه.

قاعدة

في المسائل التي يتعلَّق بها الاحتياطُ الواجب وترك ما لا بأس به حذرًا مما به البأس، ومدارها على ثلاثة قواعد: (قاعدة): في اختلاطِ المباح بالمحظور حسّا: (وقاعدة): في اشتباه أحدهما بالآخر والتباسه به على المكلَّف. (وقاعدة): في الشَّكِّ في العين الواحدة، هل هي قسمٌ من المباح أو من قِسْم المحظور؛ فهذه القواعد الثلاث هي معاقِدُ هذا الباب.

فأما القاعدة الأولى: وهي اختلاط المباح بالمحظور حِسًّا؛ فهي قسمان:

1253

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي