بدائع الفوائد

وقد أجاب السُّهيلى١ عن البيت بجواب آخر، وهذا حكاية لفظه، فقال: "لبيدٌ لم يُرِدْ إيقاع التسليم عليهم لحينه، وإنّما أراد بعد الحول، ولو قال: "السلام عليكم"؛ كان مسلِّمًا لوقته الَّذي نطق فيه بالبيت، فلذلك ذكر الاسم الَّذي هو عبارة عن اللفظ، أي: إنّما اللفظ بالتسليم بعد الحول، وذلك أن السلام دعاء، فلا يتقيَّد بالزمان المستقبل، وإنّما هو لحينه، ألا ترى أنَّه لا يقال: "بعد الجمعة اللهم ارحم زيدًا"، ولا: "بعد الموت اللهم اغفر لي"، إنّما يقال: "اللهم اغفر لي بعد الموت"، فيكون "بعد" ظرفًا للمغفرة، والدعاء واقع لحينه، فإن أردت أن تجعل الوقت ظرفًا للدعاء صرَّحت بلفظ الفعل، فقلت: "بعد الجمعة أدعو بكذا، أو أسلم، أو أَلْفِظ بكذا"؛ لأنَّ الظروف إنّما تُقيد٢ بها الأحداث الواقعة فيها خبرًا، أو أمرًا، أو نهيًا. وأما غيرها من المعانى، كالطلاق، واليمين، والدعاء، والتمني، والاستفهام، وغيرها من المعاني، فإنّما هي واقعة لحين النطق بها، ولذلك٣ يقع الطلاق ممن قال: "بعد يوم الجمعة. أنت طالق"، وهو مُطلق لحينه، ولو قال: "بعد الحول. والله لأخرجنَّ"، انعقدت اليمين في الحال، ولا ينفعه أن يقول: أردت أن لا أوقع اليمين، إلّا بعد الحول؛ فإنه لو أراد ذلك، لقال: "بعد الحول

  1. (١) هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أصبغ الخثعمي المالقي الضرير، أبو زيد وأبو القاسم السُّهيلي، من علماء اللغة، وهو صاحب الروض الأُنُف" وغيره، وكلامه هذا في كتابه "نتائج الفكر" وقد تقدمت الإشارة إليه. ت (٥٨١).
    انظر: "وفيات الأعيان": (٣/ ١٤٣)، و"إنباه الرواة": (٢/ ١٦٢)، و"نكت الهِمْيان": (ص / ١٨٧).
  2. (٢) (د): "يريد".
  3. (٣) (ظ): "وكذلك".
37

أحلف"، أو "بعد الجمعة أطلقك".

فأما الأمر، والنهى، والخبر، فإنّما تقيَّدت بالظروف؛ لأنَّ الظروف في الحقيقة إنّما يقع فيها الفعل المأمور به، والمخْبَر به، دون الأمر والخبر، فإنهما واقعان لحين النطق بهما. فإذا قلت: "أضرب زيدًا يوم الجمعة"، فالضرب هو المقيد بيوم الجمعة، وأما الأمر، فأنت في الحال آمرُ به، وكذلك إذا قلت: "سافر زيد يوم الجمعة"، فالمتقيِّد باليوم المخبر به لا الخبر، كما أن في قوله: "اضربه يوم الجمعة"، المقيد بالظرف المأمور به، لا أمرك أنت، فلا تعلق للظروف إلا بالأحداث، فقد رجع البابُ كلُّه بابًا واحدًا، فلو أن لبيدًا قال: "إلى الحول ثم السلام عليكما"؛ لكان مسلِّمًا لحينه، ولكنه أراد أن لا يوقع اللفظ بالتسليم والوداع إلا بعد الحول، ولذلك ذكر الاسم الَّذي هو بمعنى اللفظ بالتسليم؛ ليكون ما بعد الحول ظَرْفًا له".

وهذا الجواب من أحد أعاجيبه وبدائعه ﵀.

وأما قوله: "باسم الماء" والماء المعروف هنا هو الحقيقة المشروبة، ولهذا عرَّفه تعريف الحقيقة الذهنية، والبيت لذي الرُّمَّة١، وصدره:

* لا يَنْعَشُ الطَّرْفَ إِلَّا ما تَخَوَّنَهُ *

ثم قال: "دَاعٍ يُنَادِيْه باسْمِ الماء ... "، فظن الغالط أنَّه أراد حكاية صوت الظبية، وأنها دعت ولدها بهذا الصوت، وهو "مِآمِآ"، وليس هذا مراده؛ وإنّما الشاعر أَلْغَزَ لما وقع الاشتراك بين لفظ "الماء" المشروب، وصوتها به، فصار صوتها كأنه هو اللفظ المعبِّر

  1. (١) تقدم قبل قليل نسبته إلى الأعشى، وبيان ما فيه.
38

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي