بدائع الفوائد

عن الماء المشروب، فكأنها تُصوِّت باسم هذا الماء المشروب، وهذا لأنَّ صوتها "مِآمِآ"، وهذا في غاية الوضوح، والحمد لله١.

فائدة

زعم السهيلي٢ وشيخه أبو بكر بن العربي٣: أنّ اسم الله غير مشتق؛ لأنّ الاشتقاق يستلزم مادةً يُشْتقَّ منها، واسمه -تعالى- قديم، والقديم لا مادة له، فيستحيل الاشتقاق. ولا ريب أنَّه إن أُريد بالاشتقاق هذا المعنى، وأنه مستمدٌّ من أصل آخر، فهو باطل.

ولكن الذين قالوا بالاشتقاق، لم يريدوا هذا المعنى، ولا أَلَمَّ بقلوبهم، وإنّما أرادوا: أنَّه دال على صفةٍ له -تعالى-، وهي الإلهية، كسائر أسمائه الحسنى، كالعليم٤ والقدير، والغفور والرحيم، والسميع والبصير. فإن هذه الأسماء مشتقة من مصادرها بلا ريب، وهي قديمة، والقديم لا مادة له. فما كان جوابكم عن هذه الأسماء؛ فهو جواب القائلين باشتقاق اسمه: "الله".

ثم الجواب عن الجميع: أنَّا لا نعني بالاشتقاق إلا أنها ملاقية لمصادرها في اللفظ والمعنى، لا أنها متولدة منها تولُّد الفرع من أصله. وتسمية النحاة للمصدر والمشتق منه: "أصلًا وفرعًا" ليس معناه أن أحدهما تولد من الآخر، وإنّما هو باعتبار أن أحدهما

  1. (١) من (ق) وحدها.
  2. (٢) في "نتائج الفِكْر": (ص/ ٥١).
  3. (٣) هو: محمد بن عبد الله بن العربي الأندلسي المالكي الفقيه، صاحب التصانيف، ت (٥٤٣).
    انظر: "الصلة": (٢/ ٥٥٨)، و"السير": (٢٠/ ١٩٧).
  4. (٤) (ق): "كالعظيم".
39

يتضمن الآخر وزيادة.

وقول سيبويه: "إن الفعل أمثلة أُخِذَت من لفظ أحداث الأسماء"١؛ هو بهذا الاعتبار، لا أنّ العرب تكلموا بالأسماء أولًا، ثم اشتقوا منها الأفعال، فإن التخاطب بالأفعال ضروري، كالتخاطب بالأسماء، لا فرق بينهما، فالاشتقاق هنا ليس هو اشتقاق مادي٢، وإنّما هو اشتقاق تلازم، سُمِّي المتضمِّن٣ -بالكسر-: مشتقًا، والمتضمّن. -بالفتح-: مشتقًّا منه، ولا محذور في اشتقاق أسماء الله -تعالى- بهذا المعني.

فائدة٤

استبعد قوم أن يكون الرحمن، نعتًا لله، من قولنا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ١﴾ [الفاتحة: ١]، وقالوا: "الرحمن، عَلَم، والأعلام لا ينعت بها، ثم قالوا: هو بدل من اسم الله. قالوا: ويدل على هذا أن "الرحمن" علم مختص بالله لا يشاركه فيه غيره، فليس هي" كالصفات التي هي: العليم والقدير، والسميع والبصير، ولهذا تجري على غيره تعالى. قالوا: ويدل عليه -أيضًا- وروده في القرآن. غير تابع لما قبله، كقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى٥﴾ [طه: ٥]، ﴿الرَّحْمَنُ ١ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ٢﴾ [الرحمن ١ - ٢]، ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ [الملك: ٢٠]، وهذا شأن الأسماء

  1. (١) : "الكتاب" (١/ ١٢).
  2. (٢) (ق): "فالاستعارة هنا ليس هو اشتقاق بادي"! وهو تحريف.
  3. (٣) (ق ود): "المتضمن فيه".
  4. (٤) انظر: "نتائج الفكر": (ص/ ٣٥).
  5. (٥) ليست في (ق).
40

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي