للفلاح، أو فِعْله١ سببًا لإيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين، أو قيل لفاعله: "هل أنت منتهٍ"؟ أو نهى الأنبياءَ عن الدُّعاء لفاعله، أو رتَّبَ عليه إبعادًا وطردًا.
ولفظة: "قُتِل من فَعَله"، أو: "قاتل اللهُ من فَعَله"، أو أخبر أن فاعله لا يكلِّمُه اللهُ يومَ القيامة ولا ينظرُ إليه ولا يُزَكِّيه، وأن الله لا يُصْلِحُ عملَهُ، ولا يهدي كيدَهُ، وأن فاعلَه لا يُفلحُ ولا يكونُ يوم القيامة من الشهداء ولا من الشُّفَعاء، أو أن اللهَ يغار من فعله٢، أو نبه على وجه المَفْسَدَة فيه، أو أخبر أنه لا يقبل من فاعله صرفًا ولا عَدْلًا، أو أخبر أن من فعله قُيِّضَ له شيطان٣ فهو له قرينٌ، أو جَعَل الفعلَ سببًا لإزاغة الله قلبَ فاعله أو صرفه عن آياته وفهمِ كلامه، أو سؤال اللهِ سبحانه عن علَّة الفعل لمَ فَعَل؟ نحو: ﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ﴾[آل عمران: ٩٩]، ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾[آل عمران: ٧١]، ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾[ص: ٧٥]، ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾[الصف: ٢]، ما لم يقترنْ به جوابٌ من المسؤول، فإن اقترن به جوابٌ كان بحسب جوابه.
فهذا ونحوُه يَدُلُّ على المنع من الفعل، ودلالتُه على التحريم أطرَدُ من دلالته على مجرد الكراهة.
وأما لفظة: "يكرهُهُ اللهُ ورسولُه"، أو "مكروه"، فأكثر ما تُسْتَعملُ في المحرم، وقدْ يستعملُ في كراهة التنزيه. وأما لفظة: "أما أنا فلا
(١) (ق): "جعله".
(٢) (ع): "أو أن الله تعالى يعادى فعله".
(٣) (ع): "الشيطان".
افعلُ"، فالمتحقِّق منه الكراهة، كقوله: "أمّا أنا فَلا آكُلُ مُتَكِئًا"١، وأما لفظة: "ما يكون لك وما يكون لنا"، فاطَّرَدَ استعمالُها في المحرم نحو: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾[الأعراف: ١٣]، ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾[الأعراف: ٨٩]، ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾[المائدة: ١١٦].
فصل
وتستفادُ الإباحةُ: من لفظ الإحلال، ورفع الجُنَاح، والإذن، والعفو، وإن شئت فافعل، وإن شئت فلا تفعلْ، ومن الامتنان بما في الأعيان من المنافع، وما يتعلَّقُ بها من الأفعال، نحو: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا﴾[النحل: ٨٠] ونحو: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾[النحل: ١٦] ومن السكوت عن التحريم، ومن الإقرار على الفعل في زمن الوحى، وهو نوعان: إقرار الكتاب ﵎ وإقرار رسوله إذا علم الفعل. فمن إقرار الرَّبِّ تعالى قول جابر: "كنا نَعْزِلُ والقرآنُ يَنْزِل"٢، ومن إقرار رسوله قول حسَّان لعمر: "كنتُ أُنشد وفيه من هو خير منك"٣.