وقول سيبويه: "إن الفعل أمثلة أُخِذَت من لفظ أحداث الأسماء"١؛ هو بهذا الاعتبار، لا أنّ العرب تكلموا بالأسماء أولًا، ثم اشتقوا منها الأفعال، فإن التخاطب بالأفعال ضروري، كالتخاطب بالأسماء، لا فرق بينهما، فالاشتقاق هنا ليس هو اشتقاق مادي٢، وإنّما هو اشتقاق تلازم، سُمِّي المتضمِّن٣ -بالكسر-: مشتقًا، والمتضمّن. -بالفتح-: مشتقًّا منه، ولا محذور في اشتقاق أسماء الله -تعالى- بهذا المعني.
فائدة٤
استبعد قوم أن يكون الرحمن، نعتًا لله، من قولنا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ١﴾[الفاتحة: ١]، وقالوا: "الرحمن، عَلَم، والأعلام لا ينعت بها، ثم قالوا: هو بدل من اسم الله. قالوا: ويدل على هذا أن "الرحمن" علم مختص بالله لا يشاركه فيه غيره، فليس هي" كالصفات التي هي: العليم والقدير، والسميع والبصير، ولهذا تجري على غيره تعالى. قالوا: ويدل عليه -أيضًا- وروده في القرآن. غير تابع لما قبله، كقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى٥﴾[طه: ٥]، ﴿الرَّحْمَنُ ١ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ٢﴾[الرحمن ١ - ٢]، ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾[الملك: ٢٠]، وهذا شأن الأسماء
(١) : "الكتاب" (١/ ١٢).
(٢) (ق): "فالاستعارة هنا ليس هو اشتقاق بادي"! وهو تحريف.
(٣) (ق ود): "المتضمن فيه".
(٤) انظر: "نتائج الفكر": (ص/ ٣٥).
(٥) ليست في (ق).
المحْضَة؛ لأنَّ الصفات لا يقتصر على ذكرها دون الموصوف.
قال السُّهيلي: "والبدل عندي فيه ممتنع، وكذلك عطف البيان؛ لأنَّ الاسم الأول لا يفتقر إلى تبيين، فإنه أعرف المعارف كلها، وأبينها١، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾[الفرقان: ٦٠] ولم يقولوا: وما الله؟ ولكنه -وإن جرى مجرى الأعلام- فهو وصف، يُراد به الثناء، وكذلك "الرحيم"، إلَّا أنّ "الرحمن" من أبنية المبالغة كغضبان ونحوه، وإنّما دخله معنى المبالغة من حيث كان في آخره ألف ونون كالتثنية، فإن التثنية في الحقيقة تضعيف؛ وكذلك هذه الصفة، فكأن "غضبان" و"سكران" حامل٢ لِضِعْفَين من الغضب والسُّكْر، فكان اللفظ مضارعًا للفظ التثنية؛ لأنّ التثنية ضعفان في الحقيقة، ألا ترى أنهم -أيضًا- قد شبهوا التثنية بهذا البناء، إذا كانت لشيئين متلازمين فقالوا: الحَكَمان والعَلَمان، وأعربوا "النون" كأنه اسم لشيءٍ واحد، فقد٣ اشترك باب "فَعْلان" وباب التثنية، ومنه قول فاطمة: "يا حَسَنانُ يا حُسَينانُ" برفع النون لابْنَيها، ولمضارعة التثنية امتنع جمعُه، فلا يقال: غضابين، وامتنع تأنيثه، فلا يقال: غضبانة، وامتنع تنوينه كمالا ينون نون المثنى٤، فجرت عليه كثير من أحكام التثنية لمضارعته إياها لفظًا ومعنى.
وفائدة الجمع بين الصفتين؛ "الرحمن والرحيم": الإنباء عن رحمةٍ عاجلةٍ وآجلةٍ، أو٥ خاصة وعامة" تمَّ كلامه.