المتنازعين، وهى كلُّ ما يُبيِّن له صدق أحدِهما يقينًا أو ظنًّا من إقرار أو شهادةِ أربعةِ عدول، أو ثلاثة في دعوى الإعسارِ بتَلَف مالِه على أصحِّ القولين، أو شاهدين أو شهادة رجل وامرأتين، أو شاهد ويمين، أو شهادة رجل واحد وهو الذي يُسَمِّيه بعضُهم الإخبار، ويُفَرَّق بينه وبين الشهادة بمجرَّدِ اللفظ، أو شهادة امرأة واحدة كالقابِلة والمُرْضعَة، أو شهادة النساء منفرداتٍ حيث لا رَجُلَ معهنَّ؛ كالحمَّامَات والأعراس على الصَّحيح الذي لا يجوزُ القولُ بغيره. أو شهادةُ الصبيان على الجِراح إذا لم يتفرَّقوا، أو شهادة الأربع من النِّسوة، أو المرأتين، أو القرائن الظاهرة عند الجمهور كمالك وأحمد وأبي حنيفة، وكتنازع الرجل وامرأته في ثيابهما وكتُب العلم، ونحو ذلك، كتنازع النَّجَّار والخيَّاط في القَدُوم والجَلَم١، والإبرة والذِّراعِ، وكتنازع الورَّاق والحدَّاد في الدَّواة والمسطرة والقَلَم، والمِطْرقة والكَلْبَتَيْنِ والسَّنْدَان٢، ونحو ذلك مما يقضي فيه أكثرُ أهلِ العلم لكل واحد من المتنازعين بآلة صَنْعَتِهِ بمجرَّد دعواه.
والشافعيُّ يقسم الخُفَّ بين الرَّجل والمرأة، ويقسِمُ الكتابَ الذي يُقرَأُ فيه٣ بينهما، وكذلك طيلسانه وعِمامته.
أو الشاهد واليمين، أو اليمين المردودة، أو النُّكول المجرد، أو القَسَامة، أو الْتِعان الزوج ونكول الزوجة، أو شهادة أهل الذِّمَّة في الوصِيَّة في السفر، أو شهادة بعضهم على بعض، أو الوصف للُقَطَةٍ،
(١) الجَلَم: مقص يستعمل لجزّ الصوف، "اللسان": (١٢/ ١٠٢).
(٢) الكلبتان: آلة تكون مع الحدَّاد يأخذ بها الحديد المحمى، "اللسان": (١/ ٧٢٦)، والسندان: هي الزُّبرة التي يضرب عليها الحداد الحديد. "اللسان": (١٥/ ٩١).
(٣) (ظ): "يقرأونه".
أو شهادة الدار١، أو الحَبَل في ثُبوت زنا التي لا زوج لها، أو رائحة المسكر أو قيئه، أو وجود المسروق عند من ادُّعِيَ عليه سَرِقَتُهُ على أصحِّ القولين، أو وجوه٢ الآجُرِّ ومعاقد القُمُط وعقد الأَزَجَ٣ عند من يقول به، فهذه كلها داخلة في اسم البيِّنة، فإنها اسم لما يُبَيِّنُ الحقَّ ويُوضِّحُهُ.
وقد أرشد الله سبحانه إليها في كتابه، حيث حكى عن شاهد يوسفَ اعتبارَه لقدِّ القميص، وحكى عن يعقوب وبنيه أخذَهُمُ البضائعَ التي باعوا بها بمجرَّدِ وجودِهم لها في رِحالِهم اعتمادًا على القرائن الظاهرة، بأنها وُهِبَتْ لهم ممن يمْلِكُ التَّصَرُّفَ فيها، وهم لم يشاهدوا ذلك، ولا أُعْلِموا به، ولكن اكتفوا بمجرد القرينة الظاهرة.
وكذلك سليمانُ بن داود حَكَمَ للمرأةِ بالوَلَد بقرينةِ رحْمَتِها له لما قال: "ايتُوْنِي بالسِّكِّيْنِ أَشُقَّهُ بَيْنَكما، فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لا تَفْعَلْ هو ابْنُها، فَقَضَى به لها" وهذا من أحسن القرائن وألطفها.
وكذلك النبي ﷺ أَمَرَ بتعذيب أحد ابني الحُقَيق اليهودي ليَدُلَّهُ على كَنز حُيَيِّ بن أخطبَ وقد ادَّعى ذَهابَهُ، فقال: "هو أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَالعَهْدُ قَرِيبٌ"٤، فاستدلَّ بهذه القرينة الظاهرة على كَذِبهِ في دعواه، فأمر الزُّبيرَ أن يُعَذِّبَهُ حتى يُقِرَّ به، فإذا عذَّبَ الوالي المتَّهّمَ إذا ظهر له كَذِبُهُ ليُقِرَّ بالسرقة لم يخرجْ عن الشريعة، إذا ظهرت له رِيبة٥، بل
(١) وهي: أن يتنازع رجلان دابة فيتركاها فمن دخلت داره فهي له.
(٢) (ق): "وجود".
(٣) تقدم شرح هذه الكلمات فيما سبق (٣/ ١٠٣٦).
(٤) تقدم الحديثان؛ حكومة سليمان: (ص / ١٢)، وتعذيب ابني الحقيق: (ص/ ١٠٣٧).