بدائع الفوائد

ضَرْبُهُ له في هذه الحال من الشَّرع.

وقد حَبَسَ رسول الله ﷺ في تُهْمَةٍ، وقد عزم عليٌّ والزُّبَيْر على تجريد المرأة التي معها الكتاب وتفتيشها، لما تَيَقَّنا أن الكتابَ معها١. فإذا غلب على ظنِّ الحاكم أن الحال المسروق أو غيره في بيت المُدَّعَى عليه أو معه، فأمر بتفتيشِهِ حتى يظهرَ المالُ، لم يكن بذلك خارجًا عن الشرع.

وقد قال النعمانُ بن بشير للمُدَّعِي على قوم سَرِقةَ مالٍ لهم: إن شئتمْ أن أضربَهم فإن ظهرَ متاعُكُمْ عندَهم، وإلا أخذتُ من ظهورِكم مثلَه، يعني: مثلَ ضَرْبِهِمْ، فقالوا: هذا حكمُك؟ قال: بل هذا حكمُ رسول الله ﷺ٢. رواه أحمد٣.

والرجوعُ إلى القرائن في الأحكام متَّفَقٌ عليه بين الفقهاء، بل بين المسلمين كلِّهم. وقد اعتمد الصحابةُ على القرائن في الحدود؛ فرجموا بالحَبَل وجَلَدوا في الخَمْرِ بالقَيْءِ والرَّائحة، وأمر النبيُّ ﷺ باستنكاه المُقِرِّ بالزِّنا٤ وهو اعتمادٌ على الرَّائحة.

والأمة مُجْمِعَةٌ على جواز وطء الزوج للمرأة التي تُهديها إليها النساء ليلة العُرْس، ورجوعه إلى دلالة الحال أنها هي التي وقع عليها العقدُ وإن لم يَرَها ولم يشهدْ بتعيينها رجلان.

  1. (١) تقدم تخريج هذه الأحاديث: (٣/ ١٠٣٧، ١٠٨٩) من هذا الكتاب.
  2. (٢) أخرجه أبو داود رقم (٤٣٨٢)، والنسائي: (٨/ ٦٦) من حديث النعمان بن بشير.
  3. (٣) لم أر من عزاه إلى أحمد غير المصنف وقد ذكره هو في "الزاد" (٥/ ٥٢) ولم يعزه إلى أحمد، فلعله في غير المسند.
  4. (٤) أخرجه مسلم رقم (١٦٩٥) من حديث بريدة بن الحُصَيب ﵁. والاستنكاه: الشم.
1321

ومُجْمعةٌ على جواز أكل الهدية وإن كانت من١ فاسق، أو كافر أو صبيٍّ٢، ومن نازع في ذلك لم يُمكنْه العملُ بخلافِهِ، وإِنْ قاله بلسانه.

ومجمعةٌ على جواز شراء ما بيد الرجل اعتمادًا على قرينة كونه في يده، وإن جازَ أن يكونَ مغصوبًا، وكذلك يجوزُ إنفاقُ النقدِ إذا أخبر بأنه صحيحٌ رجلٌ واحدُ، ولو كان ذِمِّيًّا، فالعملُ بالقرائن ضروري في الشرع والعقل والعُرْف٣.

فائدة٤

الفرق بين دليل مشروعية الحكم وبين دليل وقوع الحكم فالأولُ يتوقَّفُ على الشارع، والثاني يُعْلَم بالحِسِّ أو الخبر أو الشهادة٥.

فالأول: الكتابُ والسُّنَّة ليس إلا، وكلُّ دليل سواهما فمستنبطٌ منهما.

والثاني: مثل العلم بسبب الحكم وشروطه وموانعه، فدليلُ مشروعيته يرجعُ فيه إلى أهل العلم بالقرآن والحديث، ودليلُ وقوعه يرجعُ فيه إلى أهل الخبرة بتلك الأسباب والشُّروط والموانع.

  1. (١) (ق وظ): "مع"، ومحتملة للأمرين في (ع).
  2. (٢) (ظ): "فاسق أو كان صبي".
  3. (٣) انظر ما تقدم في هذا الكتاب (٣/ ١٠٣٧ - ١٠٨٩ - ١٠٩٦)، و"الطرق الحكمية": (ص/٥ - ١٥).
  4. (٤) (ق): "قاعدة".
  5. (٥) (ظ): "الزيادة".
1322

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي