بدائع الفوائد

الثَّالثة: قدرتُه ببدنِهِ وعجزه عن المأمور به، كالصحيح العادم للماء، والحُرِّ العاجز عن الرَّقبة في الكفَّارة، فحكمهُ الانتقالُ إلى بدله إن كان له بدلٌ يقدر عليه، كالتَّيَمُّم أو الصِّيام في الكفارة، ونحو ذلك، فإن لم يكنْ له بَدَلٌ سقط عنه وجوبُه، كالعُريان العاجز عن سَتر عورته في الصَّلاة فإنَّه يُصَلِّي ولا يُعيدُ.

الرابعة: عجزه ببدنه وقدرته على المأمور به أو بَدَله.

فهو موردُ الإشكال في هذه الأقسام وله صُوَر:

أحدها: المعْضُوبُ الذي لا يستمسكُ على الرَّاحلة وله مال يقدرُ أن يُحَجَّ به عنه، فالصحيح وجوب الحجِّ عليه بماله لقدرته على المأمور به، كان عَجَز عن مباشرته هو بنفسه، وهذا قول الأكثرين.

ونظيرهُ١: القادرُ على الجهاد مسألة العاجزُ ببَدَنه، يجبُ عليه الجهادُ بماله في أصحِّ قوله العلماء، وهما روايتان منصوصتان عن أحمد.

الصورة الثَّالثة: الشَّيخُ الكبيرُ العاجز عن الصَّوم القادرُ على الإطعام، فهذا يجبُ عليه الإطعام عن كل يومٍ مسكينًا في أصَحِّ أقوال العلماء.

الرابعة: المريض العاجز عن استعمال الماء، فهذا حكمُه حكمُ العادم، وينتقل إلى بَدَله، كالشيخ العاجز عن الصيام ينتقلُ إلى الإطعام.

وضابط هذا: أن (ق / ٣٢٢ ب) المعجوزَ عنه في ذلك كلِّه إن كان له بَدَلٌ انتقل إلى بَدَله، وإن لم يكن له بَدَلٌ سقط عنه وجوبُهُ.

فإذا تَمهَّدت هذه القاعدة ففرقٌ٢ بين العَجْز ببعض البَدَن والعجز

  1. (١) وهذه هي الصورة الثَّانية.
  2. (٢) (ق): "فيفرق".
1343

عن بعض الواجب، فليسا سواءً، بل متى عَجَز ببعض البَدَن لم يسقطْ عنه حكم البعض الآخر، وعلى هذا إذا كان بعض بَدَنِهِ جريحًا وبعضُهُ صحيحًا، غسل الصحيحَ وتَيَمَّمَ للجريح على المذهب الصَّحيح، كما دلَّ عليه حديث الجريح١.

ونظيره: إذا مَلَكَ المعتَقُ بعضَه٢ ما يَتَمَكَّنُ به من عتق واجب، لزمه الإعتاقُ.

ونظيره: إذا (ظ / ٢٢٥ أ) ذهب بعض أعضاء وضوئه وجب عليه غسْلُ الباقي، وأمَّا إذا عَجَزَ عن بعض الواجب، فهذا معتركُ الإشكال حيث يلزمهُ به مَرَّةً ولا يلزمه به مرَّة، ويخرج الخلافُ مرَّة، فمن قَدَرَ على إمساك بعض اليوم دون إتمامه؛ أيلْزَمْهُ اتفاقًا، ومن قدر٣ على بعض مناسك الحَجَّ وعجَزَ عن بعضها، لزمه فعل ما يقدرُ عليه، ويُستنابُ عنه فيما عَجَزَ عنه، ولو: قدر على بعض رقبة، وعَجَزَ عن كاملةٍ؛ أيلزمْه عتقُ البعض، ولو قدر على بعض ما يَكفيه لوضوئه أو غسله، لزمه استعمالُه في الغسلِ، وفي الوضوء وجهاد؛ أحدهما: يلزمُهُ، والثَّاني: له أن ينتقلَ إلى التَّيمُّم، ولا يستعمل الماء.

وضابطُ الباب: أن ما لم يكنْ جزؤُه عبادةً مشروعة لا يلزمُهُ الإتيان به، كإمساك بعض اليوم، وما كان جزؤُه عبادة مشروعةً لزمه الإتيان به٤، كتطهير الجُنُب بعض أعضائه، فإنَّه يشرعُ كما عند النوم والأكل والمعاودة يشرع له الوضوءُ تخفيفًا للجنَابَة.

وعلى هذا جَوَّز الإمام أحمدُ للجُنُب أن يتوضَّأَ ويلبثَ في المسجد،

  1. (١) هو صاحب الشجة، أخرج حديثه أبو داود رقم (٣٣٦)، والدارقطني (١/ ١٩٠)، وفيه ضعف.
  2. (٢) كذا في الأصول، ولعل صوابها: "المعتِق بعض".
  3. (٣) (ع): "عجز"! وهو سبق قلم.
  4. (٤) (ع): "وما كان عبادة مشروعة لم يلزمه ... " وهو سبق قلم أيضًا.
1344

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي