بدائع الفوائد

التي يُخرَجُ بها المسروق١ من الحِرز لا يمكنُ الاحترازُ منها غالبًا، وأسباب القتل يمكنُ الاحتراز منها غالبًا. وأيضًا فجناية القرد حصلت بتعليم صاحبه، وجنايةُ الحيَّة والسَّبُع لم يحصل بتعليم من أنهشهما، والله أعلم.

* إذا رأى إنسانًا يغرق ولا يمكنه تخليصه إلَّا بأن يُفْطِرَ، فهل يجوز له الفطرُ؟

أجاب أبو الخطَّاب: يجوزُ له الفطر إذا تيَقَّنَ تخليصَهُ من الغرق ولم يمكنه الصَّوم مع التخليص.

وأجاب ابن الزاغوني عنها: إذا كان يقدر على تخليصه وغلب على ظنِّه ذلك، لزمه الإفطارُ وتخليصه، ولا فرق بين أن يُفطِرَ٢ بدخول الماء في حلقه وقتَ السِّباحة، أو كان يجدُ من نفسِه ضعفًا عن تخليصِه لأجل الجوع حتَّى يأكلَ؛ لأنَّه يُفطر للسفر المُباح فَلأَن يُفْطِرَ للواجب أولى.

قلت: أسباب الفِطر أربعة: السَّفرُ، والمرضُ، والحيض٣، والخوفُ على هلاك: من يُخشى عليه بصومه كالمُرضع والحامل إذا خافتا على ولديهما، ومثله مسألة الغريق.

وأجاز شيخُنا ابنُ تيمية الفطرَ للتَّقَوِّيّ على الجهاد وفَعَلهُ، وأفتى به لما نازلَ العدوُّ دمشق في رمضان٤، فأنكر عليه بعضُ المتَفَقِّهة،

  1. (١) (ق): "المتاع".
  2. (٢) (ع): "يدخل"!.
  3. (٣) سقطت من (ق).
  4. (٤) وانظر: "الاختيارات": (ص/ ١٠٧).
1358

وقال: ليس هذا بسفر طويل، فقال الشَّيخ: هذا فطرٌ للتَّقَوِّي على جهاد العدو، وهو أولى من الفطر لسفر يومين سفرًا مُباحًا أو معصية، والمسلمون إذا قاتلوا عدوَّهُم وهم صيامٌ لم يُمْكِنْهمُ النكايةُ فيهم، وربما أضعفهم الصَّومُ عن القتال، فاستباح العدوُّ بيضةَ الإسلام، وهل يشكُّ فقيه أن الفطر هاهنا أولى من فطر المسافر، وقد أمرهم النَّبيّ ﷺ في غَزَاة الفتح بالإفطار لِيَتَقَوَّوْا على عدوُّهم١، فعلَّل ذلك للقُوَّة على العدو لا للسَّفَر، والله أعلم.

قلت: إذا جار فطرُ الحامل والمُرْضع لخوفهما على ولديهما، وفطر من يُخَلِّص الغريق، ففطر المقاتلين أولى بالجواز، ومن جعل هذا من المصالح المرسلة فقط غلط، بل هذا أمرٌ من باب قياس الأوْلى٢، ومن باب دلالة النَّصِّ وإيمائه.

* إذا وطئ ميتةً هل يجبُ إعادةُ غسلها؟

أجاب ابن الزاغوني: ينظرُ فيه فإن كان صُلِّيَ عليها فلا غسل عليها؛ لأن الغسلَ طهارتُها لأجل الصَّلاة عليها، وقد سقط فرض الصَّلاة عنها بالأولى، غير أنه يمنعُ من إعادة الصَّلاة عليها بعد ذلك، وإن لم يكنْ صلَّى عليها أعيدَ غسلها.

وقد اختلف أصحابُنا في وطء الميتة هل يوجب الحَدَّ وينشرُ الحرمةَ؟ على وجهين: أحدهما: يوجب الحَدَّ وينشرُ الحُرْمَةَ، فعلى

  1. (١) أخرجه أحمد: (٢٥/ ٢٤١ رقم ١٥٩٠٣)،، وأبو داود رقم (٢٣٦٥)، والحاكم: (١/ ٤٣٢) عن بعض أصحاب النَّبيّ ﷺ.
    وصححه ابن عبد البر في "التمهيد": (٢٢/ ٤٧).
  2. (٢) من قوله: "بالجواز ... " إلى هنا ساقط من (ع).
1359

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي