بدائع الفوائد

وعمر بالمدينة١.

سألتُه عن معنى نهي النبي ﷺ عن منع نقع البئر٢.

قال: هو الرجلُ تكون له الأرضُ، وليس فيها بئرٌ، ولجارِه بئرٌ في أرضه، فليس له أن يمنع جاره أن يسقي أرضه من بئره.

سألته: عن إجارةِ بيتِ الرَّحى الذي يديرهُ الماءُ؟

قال: الإجارةُ على البيت والأحجار والحديد والخشبِ، فأما الماءُ فإنه يزيدُ وينقصُ وينضُبُ ويذهبُ فلا تقعُ عليه إجارةٌ.

قلت: إذا قال لعبدِهِ: "أنت حُرٌّ"، وقال: إنما أردتُ مِنْ هذه الصَّنعة؟ قال: هو حرٌّ ونِيَّتُهُ فيما بينَه وبينَ الله تعالى٣.

وسألته عن رجل يزعمُ أنه يعالجُ المجنون من الصَّرعِ بالرُّقَى والعزائم، ويزعُمُ أنه يخاطبُ الجنَّ ويكلِّمهم، وفيهم من يحدِّثُه، فترى أنه يدفع إليه الرجل المجنون ليعالِجَه؟

قال: ما أدري ما هذا! ما سمعتُ في هذا شيئًا، ولا أحبُّ لأحدٍ أن يفعَلَهٌ، وتركُهُ أحبُّ إليّ.

وسئل عن رجلٍ مات وخلَّف ألفَ درهم، وعليه للغرماءِ ألفا درهم،

  1. (١) أخرجه مالك في "الموطأ": (٢/ ٧٦٧).
  2. (٢) الحديث أخرجه أحمد: (٦/ ١٣٩)، وابن ماجه رقم (٢٤٧٩) وابن حبَّان "الإحسان": (١١/ ٣٣١)، والحاكم: (٢/ ٦١)، وغيرهم من حديث عائشة ﵂.
    والحديث صححه ابن حبان والحاكم.
  3. (٣) انظر ما تقدم: (٤/ ١٣٧٢).
1399

وليس له وارثٌ غيرُ ابنه، فقال ابنُهُ لغرمائه: اتركوا هذه الألفَ في يدي وأَخَروني في حقوقكم ثلاث سنين حتى أُوَفِّيَكُم جميعَ حقوقِكم، ترى١ هذا جائزًا؟

قال: إذا كانوا قد استحقوا قبضَ هذه الألف وإنما يؤخرونَه فيوفيهم٢ لأجل تركها في يديه، فإذا لا يؤخَّرُ٣ فيه إلا أن يقضوا الألفَ منه ويؤخِّرونه في الباقي ما شاءوا.

قلت: وجه هذا: أن الألْف قد انتقلت إلى ملكهم وليس لهم في ذمة الابن شيءٌ، فإذا أخَّروا قبضَها ليستوفوها ألفين. صار كالنسيئة بزيادة، وبعد فلا يخلو ذلك من نظر، فإنهم لو أخَّروا قبضَ الألف اتفاقًا لا لأجل الزيادة، ثم اتَّجر الولدُ بالتركة، وربح فيها ما يقوم بوفائهم لاستوفوا٤ حقَّهم كلَّه، ولا يكون هذا من بات عمل الإنسان في مال غيره، فإنهم لا يستحقون الربح كله، وإنما يستحقون منه تمام حقهم وحق الغرماء.

وإن تعلَّق بالتركة، فهو كتعلق الوهن، لا أنهم يملكون التركة بمجرَّد موت الغريم، ولو وفَّاهم الورثة من غيرها لم يكن لهم أن يمتنعوا من الاستيفاء، وهذا على قولنا: إن الدين لا يمنع انتقال التركة إلى الوَرَثة أظهر، فإن التركة تنتقل إليهم وتبقى ديونُ الغرماء على نفس التركة٥، فلو ربحتْ لاستحقوا من الربح بقدر ديونهم،

  1. (١) قبلها في (ع): "فلم"! ولعلها تكرار لجزء كلمة "حقوقكم".
  2. (٢) ليست في (ظ).
  3. (٣) (ع وق): "لا خير" وفي محتملة.
  4. (٤) (ق): "لاستحقوا".
  5. (٥) من قوله: "إلى الورثة ... " إلى هنا ساقط من (ظ).
1400

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي