بدائع الفوائد

وليس له وارثٌ غيرُ ابنه، فقال ابنُهُ لغرمائه: اتركوا هذه الألفَ في يدي وأَخَروني في حقوقكم ثلاث سنين حتى أُوَفِّيَكُم جميعَ حقوقِكم، ترى١ هذا جائزًا؟

قال: إذا كانوا قد استحقوا قبضَ هذه الألف وإنما يؤخرونَه فيوفيهم٢ لأجل تركها في يديه، فإذا لا يؤخَّرُ٣ فيه إلا أن يقضوا الألفَ منه ويؤخِّرونه في الباقي ما شاءوا.

قلت: وجه هذا: أن الألْف قد انتقلت إلى ملكهم وليس لهم في ذمة الابن شيءٌ، فإذا أخَّروا قبضَها ليستوفوها ألفين. صار كالنسيئة بزيادة، وبعد فلا يخلو ذلك من نظر، فإنهم لو أخَّروا قبضَ الألف اتفاقًا لا لأجل الزيادة، ثم اتَّجر الولدُ بالتركة، وربح فيها ما يقوم بوفائهم لاستوفوا٤ حقَّهم كلَّه، ولا يكون هذا من بات عمل الإنسان في مال غيره، فإنهم لا يستحقون الربح كله، وإنما يستحقون منه تمام حقهم وحق الغرماء.

وإن تعلَّق بالتركة، فهو كتعلق الوهن، لا أنهم يملكون التركة بمجرَّد موت الغريم، ولو وفَّاهم الورثة من غيرها لم يكن لهم أن يمتنعوا من الاستيفاء، وهذا على قولنا: إن الدين لا يمنع انتقال التركة إلى الوَرَثة أظهر، فإن التركة تنتقل إليهم وتبقى ديونُ الغرماء على نفس التركة٥، فلو ربحتْ لاستحقوا من الربح بقدر ديونهم،

  1. (١) قبلها في (ع): "فلم"! ولعلها تكرار لجزء كلمة "حقوقكم".
  2. (٢) ليست في (ظ).
  3. (٣) (ع وق): "لا خير" وفي محتملة.
  4. (٤) (ق): "لاستحقوا".
  5. (٥) من قوله: "إلى الورثة ... " إلى هنا ساقط من (ظ).
1400

وليس هذا من الربا في شيءٍ، فإن الغريم يستحق الألفين استحقاقًا صحيحًا بوجه لا ربا فيه، وإنما يؤخَّرُ قبض بعض حقه ليستوفيه كاملًا، فليس هذا من باب الزيادة على رأس ماله لأجل الأجل في شيءٍ، وهذا حقيقة الربا.

وإنما هذا صبر منه ليستوفي ما وَجَب له بأصل العقد، كما لو كان الغريم حيًّا وأفلس، ولم يَسَع ماله لوفاء ما عليه، فيصبر الغرماء ليستوفوا حقهم كاملًا، ولا يُغني الفرق بأن ذمة الميت قد خربت بالموت، وذمة المعسر ياقية لوجهين:

أحدهما: المنع، بل الدين باقٍ في ذمةِ الميِّت، كما هو باقٍ في ذمة الحيّ، وإنما تعذَّرت المطالبة بالموت، والذمةُ مشغولةٌ مرتَهَنة بالدين، وتعذُّرُ مطالبَتِه كتعذر مطالبة الغريم إذا سقط عنه التكليف بالجنون، وذلك غير مانع من التأخير لتمام الاستيفاء، فكذا في الموت، وهذا على أصول أبي عبد الله وقواعِدِه أَطْرَد، والله أعلم.

ومن مسائل أبي جعفر محمد بن علي الورَّاق١

قيل له: قال: حجَّ عني، قال: يحجُّ عنه، يعني: يفرد الحج، قيل له: قال وما فَضَل فهو لك، كيف ترى؟ قال: إذا قال فأرجو أن يطيب له.

صلّى بنا أبو عبد الله يوم جمعة صلاة الفجر، فقرأ: (تنزيل السجدة، وعبس) فسها أن يقرأ السجدة، فجاورها فسجد سجدتي السهو قبل التسليم.

  1. (١) الجرجانيّ المعروف بـ "حمدان" له عن أبي عبد الله مسائل حِسَان ت (٢٧١)، "طبقات الحنابلة": (٢/ ٣٣٤).
1401

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي