بدائع الفوائد

ولم يفسِّر قولَ أحمد: "الزكاةُ أهونُ من الصَّدقة"، وأُرَاه قد خَفِيَ عليه معنى كلامِ أحمد، ولم يُرِدْ أحمدُ ما فَهِمَ القاضي.

وقال الميمونيُّ: قلت: يعتقُ من زكاته؟ قال: نعم، قلنا له: فإنْ جَنَى جنايةً أو أحدَثَ حَدَثًا أليسَ يرجعُ عليه؟ قال: بلى، قلنا له: فميراثُهُ له؟ قال: لا، قلنا: ولِمَ؟ قال: لأنَّ ذا للهِ، فإذا ورثَ منه شيئًا جعله في مثلِهِ، قلت: يعقلُ عنه ويؤخذُ بِجَريرتهِ في جنايَتِهِ فإذا ماتَ ذهب ميراثُهُ؟ قال: هو أراده وضيَّعَه بنفسِه.

وسألته عن الحَبِّ يُجْمَعُ؟ قال: مسألة فيها اختلافٌ، قلت: إذا كنا نذهبُ في الذَّهبِ والفضَّةِ إلى أنْ لا نجمَعها، لم لا تُشَبَّهُ الحبوبُ بهما؟ قال: هذه يقعُ عليها اسمُ طعامٍ واسمُ حبوب.

قال: ورأيتُ أبا عبد الله في الحبوب يُحِبُّ جمعَها، ومذهبُهُ في الذهب والفضَّةِ والبقرِ والغنَمِ أن يُزَكَّى كلُّ واحدٍ منها على حِدَتِه ولا يجمعُ بعضُها إلى بعض.

سألته عن الرجل من أهل الكتاب لي عليه اليمين: أستحلفُهُ؟ قال: نعم، إلَاّ أن من الناس من يقول: يستحلفه بالكنيسة ويغلظُ عليه بأيمانهم، ومنهم من يقول: يستحلفُه باللهِ.

قلت: فإذا استحلفه بالله١ أو بالكنيسة، أليس ترى ذلك جائزًا؟ قال: بلى، وإذا رُفِعَ إلى الحاكم استحلفه بالكنيسة ويغلظ عليه، أو بالله ﷿.

في الحاشية بخط القاضي: قوله: "أو بالكنيسة" يحتملُ أن يريد به:

  1. (١) "قلت: فإن استحلفه بالله" سقطت من (ع وق).
1407

يستخلِفُهُ بالله في الكنيسة، ولم يُرِدْ أنه يَحْلف١ بها. ويحتمل أن يريدَ يستحلفُه بالله، ويضم إليه: وهدم الله الكنيسة٢.

قلت: ما تقولُ في الصَّفِيِّ٣؟ قال: ذاك شيءٌ للنَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً. قلت: فيكون للخليفةِ بعدَه قال: لا، إنّما كان للنبيِّ ﷺ خاصَّةً.

قلت: قال الله ﷿: ﴿لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] الآية، إنْ جعلها رجلٌ في صنفٍ واحدٍ أجزأ عنه؟ قال لي: ما علمتُ أنَّ أحدًا قال بذا، يُجعل في الأصناف كلِّها.

وقال: أرأيتَ إن كان عندَه عشرةُ آلافٍ، وعليه عشرةُ آلافٍ٤ لا يَحُجُّ، ما تقول في حجِّ هذا إذا حجَّ؟ قلت: على القياس حَجُّهُ فاسدٌ على قول من قال: ليس له أن يَحُجَّ من هذا المال.

فقال لي: ما يرى هذا إلَاّ شنيعٌ.

قلتُ: هذا القياسُ غيرُ صحيح؛ لأنه وإن كان دينُهُ بقدْر ما بيدِه فهو لم يحجَّ بمالٍ حرام، حتى تكونَ مسألةُ الحَجِّ بالمال الحرامِ، وإنما حجَّ بمالِه نفسِه، ولكنه أثِمَ بتأخيره قضاءِ الدَّيْن من هذا المالِ، ولو أنه اكتسبَ في هذا المالِ ونما، لكان نماؤُه له يختصُّ به، ولو

  1. (١) (ق وظ): "أن يحلفه".
  2. (٢) كذا في (ق وظ) و(ع): "وهدمت إليه". وقد نقل هذه الرواية عن الميموني ابن مفلح في "الفروع": (٦/ ٢٨٤).
  3. (٣) هو: ما يختار قبل قسمة الغنائم، كجارية وعبد وثوب ونحوه، قال في "المبدع": (٣/ ٣٦٣): "وانقطع ذلك بموته ﷺ بغير خلافٍ نعلمه، إلا أبا ثور فإنه زعم أنه باق للأئمة بعده" اهـ.
  4. (٤) "وعليه عشرة آلاف" سقطت من (ع).
1408

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي