بدائع الفوائد

عنه١ على الإطلاق، من غير تعرُّضٍ لزمن ولا حال من أحوال الحديث، فاقتصروا على صيغة واحدة، وهي أخف أبنية الفعل.

وكذلك فعلوا بعد التسوية نحو قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] وقوله: ﴿أَدْعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ ١٩٣﴾ [الأعراف: ١٩٣]؛ لأنَّه أراد التسوية بين الدعاء والصمت على الإطلاق، من غير تقييد بوقت ولا حال، فلذلك لم يحتج إلّا إلى صيغة واحدة وهي صيغة الماضي، كما سبق.

فالحَدّث إذا على ثلاثة أَضْرُب:

* ضرب يحتاج إلى الإخبار٢ عن فاعله، وإلى اختلاف أحوال الحديث، فَيُشْتَقُّ منه الفعل، دلالةً على كون الفاعل مخبرًا عنه، وتختلف أبنية دلالته٣ على اختلاف أحوال الحدث.

* وضرب يحتاج إلى٤ الإخبار عن فاعله على الإطلاق، من غير تقييد بوقت ولا حال، فَيُشْتَقُّ منه الفعل، ولا تختلف أبنيته نحو ما ذكرناه من الفعل الواقع بعد التسوية، وبعد "ما" الظرفية.

* وضرب لا يحتاج إلى الإخبار عن فاعله، بل يحتاج إلى ذكره خاصة على الإطلاق، مضافًا إلى ما بعده، نحو: "سبحان الله".

و"سبحان"٥ اسمٌ ينبئ عن العظمة والتنزيه، فوقع القصد إلى ذكره مجردًا من التقييدات بالزمان، أو بالأحوال، ولذلك وجب

  1. (١) في "النتائج: "به".
  2. (٢) (ق): "الخبر".
  3. (٣) (د): "استدلالته"!.
  4. (٤) (ق): "وضرب ما يحتاج إلا ... ".
  5. (٥) (ق): "فإن سبحان الله"، و"النتائج": "فإن سبحان".
50

نصبه كما يجب نصب كلّ مقصودٍ إليه بالذكر، نحو: إياك، وويلَه١، وويحَه، وهما مصدران لم يُشتق منهما فعل، حيث لم يحتج إلى الإخبار عن فاعلهما، ولا احتيج إلى تخصيصهما بزمن، فحكمهما حكم "سبحان"، ونصبهما كنصبه؛ لأنَّه مقصود إليه.

ومما انتصب لأنَّه مقصودٌ إليه بالذكر: "زيدًا ضربته"، في قول شيخنا أبي [الحسين]٢ وغيره من النحويين، وكذلك "زيدًا ضربہت"، بلا ضمير، لا نجعله مفعولًا مقدَّمًا؛ لأنَّ المعمول لا يتقدم على عامله، وهو مذهب قوي. ولكن لا يبعد عندي قول النحويين: إنه مفعول مقدّم، وإن كان المعمول لا يتقدَّم على العامل، والفعل كالحرف؛ لأنَّه عامل في الاسم، ودالٌّ٣ على معنى فيه، فلا ينبغي للاسم أن يتقدَّم على الفعل، كما لا يتقدم على الحرف، ولكن الفعل في قولك: "زيدًا ضربت" قد أخذ معمولَه، وهو الفاعل، فمعتمده عليه ومن أجله صِيْغ، وأما المفعول؛ فلم يبالوا به، إذ ليس اعتماد الفعل عليه كاعتماده على الفاعل، ألا ترى أنَّه يُحْذف والفاعل لا يُحذف؟ فليس تقديمه على الفعل العامل فيه بأبعد من حذفه، وأما "زيدًا ضربته"؛ فينتصب بالقصد إليه كما قال الشيخ.

وهذا الفصل مران أعجب كلامه، ولم أعرف أحدًا من النحويين سبقه إليه.

  1. (١) سقطت من (د).
  2. (٢) في الأصول: الحسن"! والتصويب من "النتائج" ومصادر الترجمة.
    وهو: أبو الحسين سليمان بن محمد بن عبد الله المعروف بابن الطراوة. ت (٥٢٨)، وكان من النحاة المعدودين.
    انظر: "إنباه الرواة": (٤/ ١٠٧)، و"إشارة التعيين": (ص/ ١٣٥).
  3. (٣) (ظ ود): "وذاك"!.
51

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي