يَتَّجِرون في البحر، منهم طَلْحَة بن عبيد الله وسعيد بن زيد١.
سمعتُ أبا عبد الله وسُئل عن بيع الجُزَافِ٢، فقال: إذا استوى علمُهما فلا بأس -يعني: إذا جهلا به- فإذا عَلِمَ أحدُهما وجَهِلَ الآخرُ فلا.
وسألته قلت: القطنُ يبيعُه فيرفع ظرفه العِدْل خمسة أمْناء:٣، قلت: نعم، وربما زاد فيحسبه للمشتري، فرخَّص فيه، ولم ينكرْه على طريق الصُّلح.
قلت: فإنَّا نبيعُ بيعًا آخر، نبيع القطنَ في الكساء، فقال: هذا أحبُّ٤ إلي من ذاك؛ لأنه يكون بمنزلة التَّمْر في جِلالِهِ وقَوَاصِرِه٥، ما زال هذا يُباعُ في الإِسلامِ.
قلت: فإنهم يحملونا على أن٦ نكشِفَه، فقال: هذا ضَرُورةٌ ليس عليكم هذا.
قال القاضي: "إنما لم يشترط كشفَه على الرواية التي أجاز بيعَ الجُرُبِ قبل حلِّها، وقوله: نبيعُه بظرفِه أحبُّ إلَيَّ من أن يحتسبِ
(١) ورواه عبد الله بن أحمد عن أبيه بسنده ومتنه في العلل": (٢/ ٤٢)، وابن معين في "تاريخه": (رقم ٢٠٧ - رواية الدوري).
(٢) الجزاف: بضم الجيم وفتحها وكسرها هو: بيع الشيء لا يعلم كيله ولا وزنه. "المصباح المنير": (ص / ٣٨).
(٣) المَنَا: هو ما يكال به أو يوزن، وجمعه: أمناء، وفي لغة تميم مفرده: "المنّ" ويجمع على: أمنان "اللسان". (١٣/ ٤١٩)، و"المصباح" (ص / ٢٢٢).
(٤) (ق): "لعب".
(٥) الجلال والقواصر هي: الأوعية التي يُكتنز فيها التمر. "اللسان": (٥/ ٤٠٢).
(٦) (ع): "أنّا".
بوزنِ الظرفِ؛ لأنهم ربما اختلفوا في وزنِهِ" انتهى كلامُهُ.
قلت: قول أحمد: "نبيعُ القطنَ في الكِسَاءِ أحبُّ إلَيَّ"، وقوله: "لأنه يكون بمنزلة التمرِ في جلالِهِ وقواصِرِه، ما زال هذا يُباعِّ في الإِسلام"، يؤخذ منه بيعُ المُغَيَّبَاتِ في الأرضِ؟ كالجزر والقُلْقاس والسَّلْجم ونحوها، بل أولى، وما زال هذا يُباع في الإِسلام ويتعذَّر عليهم بيعُ المزارع إلاّ هكذا، وعلمهم بما في الأرض أتمُّ من علم المشتري بما في الجُرُبِ والأعْدالِ؛ لأنهم يعرفونه بورقِهِ، ولا يكاد تخلو معرفتُهم به، بل رَبما كان اختلافُ ما في الجُرُب والأعدال١ أكثرَ من اختلافِ المُغَيَّب في الأرضِ، والعسرُ فيه أكثر؛ لأنه بحسب دواعي البَشَر، وما في الأرض لا صُنْع لهم فيه، فالغالبُ تساويه٢.
وبالجملةِ؛ فلم يزلْ ذلك يُباعُ في الإسلام، وهذه قاعدةٌ من قواعد الشَّرْعٍ عظيمةُ النفع: أن كلَّ ما يعلمُ أنه لا غنىً بالأُمَّةِ عنه، ولم يزلْ يقعُ في الإِسلام، ولم يعلمْ من النبي ﷺ تغييرُهُ ولا إنكارُهُ ولا من الصحابة، فهو من الدِّينِ، وهذا كإجارةِ الإقطاع، وبيع المُعاطاة، وقرضِ الخبزِ والخَميرِ وردِّ أكبرَ منه وأصغرَ، وأكلِ الصيدِ من غير تفريزِ محلِّ أنيابِ الكلب ولا غسلِهِ، وصلاة المسلمينَ في جِراحاتهم، كما قال البخاريُّ٣: "لم يزلِ المسلمون يُصَلُّون في جراحَاتِهمِ"، ومسحِهم سيوفَهم من غير غسلٍ، وصلاتِهم وهم حاملوها، ولو غُسِلتِ السيوفُ لفَسَدَتْ، ولا يُعرَفُ في الإِسلام غَسْل السيوف
(١) من قوله: "لأنهم يعرفونه ... " إلى هنا ساقط من (ق).
(٢) تقدم البحث في هذه المسألة: (٤/ ١٣٢٣).
(٣) "الصحيح - الفتح": (١/ ٣٣٦)، وليس هو من قول البخاري، بل علقه على الحسن البصري مجزومًا به.