قولهم للضرب ونجوه: مصدر؛ إن أريد بحروف (مصدر)، مصدر: صَدَر يَصْدر مَصَدرًا٢؛ فهو يقوِّي قول الكوفيين: إن المصدر صادر عن الفعل مشتقٌّ منه، والفعل أصله، وأصله على هذا: "صادر"، ولكن توسَّعوا فيه كـ "صوم وزَوْر" وعلل في صائم وبابه.
وقال السُّهيلي: هو علي جهة المكان استعارة، كأنه الموضع الَّذي صدرت عنه الأفعال، والأصل الَّذي نشأت منه٣.
قلتُ: وكأنه يعني مصدور٤ عنه لا صادر عن غيره.
قال: ولابد من المجاز على القولين؛ فالكوفي يحتاج أن يقول: الأصل صادر، فإذا قيل: "مصدر" قدر فيه حذف، أي ذو مصدر كما يقدر في "صوم" وبابه، ونحن نسميه مصدرًا استعارة من المصدر الَّذي هو المكان.
فائدة٥
أصل الحروف أن تكون عاملة؛ لأنَّها ليس لها معانٍ في أنفسها، وإنّما معانيها في غيرها، وأما الَّذي معناه في نفسه٦، وهو الاسم، فأصله أن لا يعمل في غيره، وإنّما وجب أن يعمل الحرف في كلِّ
(١) انظر: "نتائج الفكر": (ص / ٧٢ - ٧٣).
(٢) (ق): "مصدر يصدر صدرًا"!.
(٣) "النتائج": (عنه).
(٤) (د): "مصدر"، (ق): "مصدرًا عنه لا صادرًا".
(٥) "نتائج الفكر": (ص / ٧٤).
(٦) (ظ ود): "غيره" وهو خطأ، ثم صوَّبت في (د).
ما دل على معنى فيه؛ لأنَّه اقتضاه معنى، فيقتضيه عملًا؛ لأنَّ الألفاظ تابعة للمعاني، فكما تشبَّث الحرف بما١ داخلي عليه معنًي وجب أن يتشبث به لفظًا، وذلك هو العمل.
فأصل الحرف أن يكون عاملًا، فنسأل عن غير العامل، فنذكر الحروف التي لم تعمل، وسبب سلبها العمل.
فمنها: "هل"، فإنها تدخل على جملة قد عمل بعضها في بعض، وسبق إليها عمل الابتداء أو الفاعلية، فدخلت المعنى في الجملة، لا لمعنى في اسم مفرد، فاكتفى بالعامل٢ السابق قبل هذا الحرف، وهو الابتداءُ ونحوه.
وكذلك "الهمزة" نحو: "أعمرو خارج" فإن الحرف دخل لمعنًى في الجملة، ولا يمكن الوقوف عليه، ولا يتوهم انقطاع الجملة عنه؛ لأنَّه حرف مفرد لا يوقَفُ عليه، ولو تُوُهِّم ذلك فيه، لعمل في الجملة، ليؤكدوا بظهور أثرِه فيها تعلُّقَه بها ودخوله عليها واقتضاءَه لها، كما فعلوا في "إنّ" وأخواتها، حيث كانت كلمات من ثلاثة أحرف فصاعدًا، يجوز الوقف عليها، كـ "إنه وليته ولعله"، فأعملوها في الجملة إظهارًا لارتباطها وشدة تعلقها بالحديث الواقع بعدها، وربما أرادوا توكيد تعلق الحرف بالجملة، إذا٣ كان مؤلَّفًا من حرفين، نحو: "هل"، فربما توهم٤ الوقف عليه، أو خيف ذهول السامع عنه، فأُدْخل في الجملة حرفٌ زائد ينبه السامع عليه، وقام ذلك الحرف